Prof: Amar Yezli

Professeur en sociologie culturelle.Anthropologue,homme de lettres ,dramaturgue,écrivain et journaliste satirique.

18.12.06




متكآت القراءة الاستشراقية للموروث الثقافي الجاهلي



يشكل موضوع تناول التاريخ الحضاري لشبه الجزيرة العربية خلال الفترة الجاهلية وما بعده أحد أهم المحاور القراءات الاستشراقية على الأقل فيما يتعلق بالقواعد الاتكائية والدعائمية للقراءات الأخرى: اللغوية، الدينية والفكرية خلال الفترة وبعدها.
في هذا السياق، تبدو الأسس الفكرية والمرجعيات العقائدية الدينية والسياسية للقراءات الاستشراقية للموروث الحضاري العربي قبل الإسلام، رهينة توليف مفهوماتي، ذلك أن مسلّمة "الأمية" و"الجاهلية" وعدم قابلية الفكر العقلاني وابتعاد العرب عن "الإنتاج المادي"، أريد لها أن تصبح فرضية ثابتة ومتأصلة حتى في ما أسميه بـ"مؤسسة إعادة إنتاج المنتوج الأوروـ مركزي"، التي طال أكثرها الفكر العربي الإسلامي ذاتيته. والمثل على ذلك، الإسهامات العربية الاستشراقية في تأكيد هذه الفرضيات _في الشعر الجاهلي لطه حسين مثلا، أود.محمد حسنين هيكل وغيرهما_.
سوف نحاول أن نقف على موقف "الشعوبية" التي كرست القواعد الاتكائية للقراءة الاستشراقية للتراث العربي قبل وبعد الإسلام، لكن سوف نقف أكثر عند النزعة المركزية الأوروبية وعند الفكر الديني الكاثوليكي بصفة خاصة، وعند الاعتقاد الأسطوري واليهودي ذي الميل العنصري. كما سنحاول العمل على إبراز أثر "العلمنة" كوجه رأسمالي – يهودي أفرزه القرن 18 و19 مع المبتدعات الميركانتيلية والتوسع الاستعماري (فرنسيس باكون في السياسة، سان سيمون وفورييه كإشتراكيين رأسماليين، وقبلهما فكر البورجوازيات الصاعدة في أوروبا: آدم سميت في الاقتصاد وديكارت في الفلسفة وفولتير في الأدب...الخ).
هذه النزعة التي ارتبطت بمفهوم " العصرنة" ثم "الحداثة"، سيكون مثقفو العالم العربي والإسلامي أهم موصل لشروط القراءات الاستشراقية للتراث العربي والإسلامي ... ومنه محاولة إكساب "شرعية" هذه القراءات عن طريق "تعريب الاستشراق"، و"تشريق الاستغراب".
أ.في المفهـوم : الجاهلية والأميــة 1.الموقـف الشعـوبي:
لا يمكن بالتأكيد قراءة الموقف الشعوبي من "العروبي" من متكئ عرقي لغوي صرف، ذلك أن البعد المصلحي الذي نما مع تطور البرجوازيات المالية المبكرة بشبه الجزيرة العربية، على الأقل خلال القرنين السابقين للدعوة الإسلامية، حيث نمت وتطورت بعض المراكز الحضرية، كما لدى الحميريين والسبئيين والغساسنة والمناذرة في كل من الحجاز ونجد واليمن والشام والعراق، كما يشير إلى ذلك "جواد علي" في " تاريخ العرب قبل الإسلام" ،

[1]كان بعدا حاسما في تحريك الآلة الإيديولوجية والسياسية بين هذه التجمعات الحضرية المتصارعة وقتها على طرق التجارة بين الشمال والجنوب عبر خطين رئيسين شرقي وغربي، انطلق كلاهما من حضرموت في الجنوب، إذ امتد الأول حتى سورية مرورا بالخليج العربي، فيما امتد الثاني إلى سورية دائما، ولكن مرورا بالبحر الأحمر فمصر، وهو الخط الذي ستكون مكة آخر محطاته المهمة قبل أن تصبح فيما بعد المحطة الأهم.[2]
فظهور المدن التجارية التي قد تدخل ضمن مفهوم "الدولة المدينة" قبل أن تحول إلى "الدولة الأمة" خلال العهد الإسلامي معها – وظهور معها الحركة التجارية والأسواق الموسمية ( 4 أشهر من السنة): عكاظ وذي المجاز، قد طور آليات المنافسة الاقتصادية بين هذه التجمعات جنوبا وشمالا، شرقا وغربا: اليمن، سورية والفرس والأحباش وحتى مع روما الغرب كما يرى المؤرخ " أوليري" في كتابه "العرب قبل محمد" عندما يشير إلى أنه كان يوجد بمكة نفسها بيوت تجارية رومانية استخدمها الرومان للشؤون التجارية والتجسس على أحوال العرب.
[3]
وعليه، فإن ظهور معالم البرجوازية النقدية بالمنطقة ـ ولو بشكل بدائي مبكرـ قد فتح أبواب المنافسة على الصراع الفكري والإيديولوجي خاصة على مستوى محوري حضرموت – الخليج العربي، شرقا، وحضرموت ـ مصر، وعن طريق مكة غربا: خطان تجاريان يربط الأول اليمن بفارس الساسانيين، والثاني الجنوب الغربي بشماله. ولا شك أن تقوية مكة لدورها التجاري من خلال رحلة الشتاء والصيف، كان عاملا حاسما أيضا في ترجيح كفة المنافسة إلى الخط التجاري الغربي على حساب الخط التجاري الشرقي.. ومنه كانت بوادر المد الحضاري الشعوبي.
فأصل الصراع فيما نرى، لم يكن إثنيا بشكل مباشر، رغم مظهره الخارجي العام. ذلك أن الأرستوقراطيات "الفارسية الساسانية" المنتجة لهذه الإيديولوجيا رغم التظاهر بأن "الغوغاء" هم مصدر هذه المواقف الفكرية، كانت شديدة الترابط مع الأرستوقراطيات العربية المكية اليمنية والشامية وما كان ينتج فكريا على مستوى الطبقات العليا، كانت تتبناها عمليا الطبقات الوسطى: المثقفون من شعراء ونسابة ورواة الذين يتكفلون بتلقين " الغوغاء" هذه القراءات المستلهمة من الأرستوقراطيات النقدية.
بدأت الإيديولوجية الشعوبية تصوغ ذاتيتها على أسس حضرية – ريفية التي تنعت العربي بالبداوة والجهل والأمية، بل وبأكل لحم البشر
[4] ..والتي غدت حقائق تبناها حتى المؤرخون و"المفكرون" العرب.
1.1البـداوة المذمومة:
لم يكن الفكر العربي – البدوي بطبعه منسجما دائما وإن كان الطابع البدوي الرعوي هو الطاغي لارتباط العربي بالنمط الاقتصادي الرعوي والزراعي المحدود. فالنمط الزراعي لم يكن متطورا إلا في حدود ما سميته بالاقتصاد الفلاحي المنزلي ذي المنتوج الاكتفائي، فيما كان الرعي نمطا شبه سائد في الأرياف وضواحي المدن التجارية ( الطائف ونجد وجنوب العراق) ولأن المنطقة العربية هي منطقة ذات مناخ صحراوي قاري تفرضه المنطقتان الصحراويتان : النفوذ في الشمال والأحقاف في الجنوب.
ولأن المناطق الخصبة كانت قد جلبت ببعض القبائل العربية إلى الشمال على الحدود العراقية السورية ( ومنها قبائل بني هلال ، الأثبج، المعاقيل ، بني سليم، رباح...) فقد أنتجت هذه الظروف الحياتية القاسية شخصية البدوي المترحل التي ستوسم ب "الأعراب". بكل ما يتصفون به من أوصاف وسلوكات ومواقف فرضها نظام العيش. غير أن الأعراب لم يكونوا يشكلون كل البداوة وكل البدو...
ذلك أن الاستقرار قد ساهم في إنشاء حواضر سكنية، سرعان ما تحولت إلى مدن ذات منحى اقتصادي- رعوي زراعي-يثرب مثلا...
( خلافا لملكة التي كانت مدينة تجارية وربوية بامتياز ( يذكر هنا الأب لا مانس أن المرابين في مكة كانوا يطلبون فائدة تقدر بنسبة 40 إلى 100 % : طيب تيزيني: مشروع رؤية جديدة.. سبق ذكره ص: 140)
ومن هنا، فالأعراب لم يكونوا يشكلون النسيج الاجتماعي القبلي الأكثر انتشارا ، وبالتالي فإن صياغة ذهنية الأعراب وإلصاقها تعميمها على العرب كان بفعل العمل الإيديولوجي الشعوبي أساسا لا سيما إذا علمنا ان البدوي قد عرف عنه من محاسن الأوصاف والشمائل ما يفوق الرجل المديني.
2.1 الجهـل بالجاهليــة:
كما أن لفظ الجاهلية الذي لا يتحمل أكثر من مدلوله القرآني قد أعطته النزعة الشعوبية دلالة معرفية لا دلالة سلوكية وقد تلبس بهذه القراءة مثقفون مسلمون بدورهم كابن قتيبة مثلا
[5] فيما يؤكد البعض منهم د.ناصر الدين الأسد وكتابه مصادر الشعر الجاهلي سوء هذا التقدير ويذكر أن العرب كانوا على إطلاع على الكتاب بالخط العربي وإن انتشار الكتابة باللغة العربية والقلم العربي كان قد غطى على الأقل القرون الثلاثة قبل البعثة المحمدية[6]هذا إذا أضفنا تأكيدات النص القرآني ذاته:" وقالوا أساطير الأولين أكتتبها فهي على عليه بكرة وأصيلا....( الفرقان/5) ...وقوله تعالى :" ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه" (الإسراء/93 ).
أكيد أن الفكر والموقف " العروبي" كان رد فعل على " الموقف الشعوبي "، وعليه فمن الصعب أن نحدد بالضبط حقيقة الحقبة التاريخية السابقة للبعثة المحمدية . غير أن المحاولات الاركيولوجية والدراسات الانتربولوجية في مجال اللغة، خاصة الشعر، على تعدد المناهج والمقاربات والقراءات التي لم تنتج من القراءات الاستشراقية ذات التأثير الشعوبي أو حتى " العروبي" قد تعطي بعض المعالم والنقاط الإشارية لهذه الحقبة التاريخية .
فعلى المستوى المنهجي لا ينبغي أن نحدد هذه المعالم انطلاقا وفقط من الشعر أو الأيام أو حتى المعتقدات، كما وردتها الكتب على مختلف ألوانها.فالمعرفة ليست محصورة في الشكل الكاليغرافي ( الكتابة) أو نمط الحياة ( البداوة ) أو النمط الفكري الدين( المعتقد) ، بل يتعداها إلى الأشكال السوسيولوجية النفسية وأنماط السلوكات وأشكال التعبير عنها، وهذا ما قد نسميه بالتراكم الثقافي المعرفي الذي يشير إليه تايلور أو حتى مالينوفسكي في معرض الحديث عن الثقافة والبنى والوظائف.
فالجزيرة العربية وسكانها وأهلها لم يخرجوا من العدم، فالإرث التاريخي الحضاري المستمد من الحضارات البائدة لا يستبعد أن يكون تأثيرها قد وصل الى الحضارات المجاورة (الإغريق، الرومان، الفراعنة، الفرس وبيزنطة) إلى يعتقد ان لهذه الحضارات تأثير ارتدادي على شعب شبه الجزيرة فيما بعد. كما ستحاول المدرسة الأوروـ مركزية. تأكيده فالثراء اللغوي الذي يشكل جوهر الحضارة العربية الجاهلية وسمتها البارزة، لا ينبغي أن يمر على أساس أنه ثراء بنية فوقية، معزولة عن ظروف إنتاج هذا الثراء البنيوي العروبي، إذ يعد الأخذ بهذا الموقف من قبيل اجتثاث الرأس عن البدن.
فهذا الركام والثراء اللغوي الذي سيشكل مادة الشعر العربي، لا يمكن ألا أن يكون حاملا لركام حضاري معرفي وتاريخي دفين لم يبلغ المؤرخون والدارسون للفترة تحديد أبعاده الأكثر من 50 سنة.
هكذا فإن التأثير والتأثر الذي يعطي معادلة "التثاقف"، هو مصدر الثراء اللغوي العربي الجاهلي الذي ينبغي أن نطور البحث على جذوره الاجتماعية والتاريخية بالعودة إلى العلوم الطبيعية والأثرية والكشوفات الجيولوجية للمنطقة- كما حاول بعض الباحثين السوفيات خلال السبعينات بحثا عن حضارات عاد وثمود وسبأ
2المتكأ الديني العقائدي
1.1تأثير الفكر اليهودي:
الجاهلية كلفظ قرن أيضا لدى المستشرقين ولدى المستعمرين على السواء بمن فيهم المتأثرين من العرب بهذين الاتجاهين على أساس أنه جهل علمي وأردف بمفهوم " الأمية" مع كل الفوارق الدلالية( السيميائية) بين المفهومين فالظاهر أن الجاهلية صفة سلوكية.
[7] وأن " الأمية" هي صفة دينية وليست معرفية و لا حتى كاليغرافية رسمية ، ولا نستبعد هنا تأثير الفكر اليهودي حتى لا نقول الديانة اليهودية في شحن هذه العبارة التي هي لفظة عبرانية محورة من " الغوييم" أي كل من لا يعرف قراءة الكتاب والكتاب هنا هو التوراة ليتحول مدلول "الغوييم" إلى أمية معرفية كما تؤكد عليه أكثر من آية القرآنية.[8]
وهنا لا نستبعد أثر الفكر اليهودي في تحريك هذا المفهوم باتجاه مفهوم الجهل العام أو الأمية المطبقة التي سادت شبه الجزيرة قبل الإسلام وقد توسع هذا الانطباع بدعامات شعوبية، ستحول فيما بعد إلى أرضية لمنطلقات ذات نكهة إيديولوجية أساسا سياسة عملا لدى المستشرقين المستعربين الذين سيقيمون الفواصل بين الشرق والغرب على أساسا حضاري معرفي مقترض ومقسم على أسس نظرية تخمينية: شرق منتج للروحانيات وغرب منتج للماديات.

2.1 الذاتية المسيحية:
غير أن هذه النظرية الاستشراقية تجد من يفرضها ممن يقبلونها كطرح عام عندما يقبلون بفكرة أن العربي قليل الدين، كما يرى ذلك "فيليب حتي" عندما يقول في كتابه " تاريخ العرب" لقد كان البدوي لا يكترث كثيرا للدوافع الدينية، بل كان يقف منها موقف الحياد.
[9]
أو ومن يؤكدها من زاوية دينية محضة كما فعل الأب شيخو اللبناني مع عنترة الذي كان شاعرا كبيرا لأنه كان يدين بالمسيحية. هذا الرأي يشكل دعامة للرأي القائم على عقلانية المجتمع البدوي العربي الذي أريد له أن يكون قدريا ساذجا قياسا بالوثنية الإغريقية المتطورة هذه المقارنة تحيل إلى إدراك إنساني لتاريخ وسيرورة المعرفة وتاريخ التجريد العقلاني الذي يجعل من الوثنية الشخصية أبسط أشكال المعرفة كونها دليل على الإخفاق في التجريد.
فالوثنية العربية لم تكن تلك الوثنية المعروفة لدى الإغريق التي كانت تؤنسن الآلهة وتؤله الإنسان فيما كان الوثنية العربية تتخذ من الوثنية واسطة للتقرب من الواحد، تماثيل مجسمة للنجوم أو الشمس (الضياء) البعيدة والسماء التي تمثل لديهم الواحد الأعلى كما ورد في النص القرآني " إنما نعبدها لتقربنا من الله زلفى".
حتى عبادة الشمس أو الضياء أخذها الإغريق عن الفينيقيين ( ومنها جاء "لغة الضاد") بترانيم اقل لهاتية "زوس"( Zeus ) لدى الإغريق Dei لدى اللاتينيين ثم Dios و Dieu و God لدى اللغات المشتقة من اللاتينية، هو اعتقاد غير إغريقي بل نبطي فينيقي.

المركزية الأوربية الاستشراقية:
تشكل نظرية التأثير بدون تأثير ومنهج البتر التاريخي لسيرورة التراكم الحضاري القاعدة التي تبنى عليه هذه النزعة في قراءة للذات العربية بعناصرها الفاعلة ، والتي ستكون متكأ للحراك الحضاري والذي ستكون البعثة المحمدية منطلقه.
فالبعثة هي حركة تاريخية خارجة عن التاريخ في تصورهم، ويتفق مع هذا الطرح المستشرقون والمستعربون بمختلف الانتماءات الإيديولوجية : الإشتراكيون منهم والرأسماليون.. أوربا الشرق وأوربا الغرب وبمختلف الانتماءات الدينية مسيحية الهوية وبمختلف المرجعيات الإيديولوجية والمعرفية الأخرى حتى تلك التي تتبنى نفسها موضوعية وعلمية.
[10]
أكيد أن الأورومركزية هي نزعة ذاتية ومن غير المستبعد أن تكون شكلا من رد الفعل على نزعات مركزية أخرى كالنزعة الفارسية والنزعة العروبية على أيام خلافة الأموية أساسا...وأن "الإيغو ـ سانتريزم"، حالة سيكو ـ اجتماعية الشعور بالقوة أو بالضعف أحيانا...وعليه فإن مواقفها غير موضوعية.
الأورومركزية هي نزعة غير منسجمة لأنها تحوي ميولات ذات انتماءات إيديولوجية إثنية قومية سياسية ودينية و لكنها تشكل جغرافيا وحضاريا موقفا شبه موحد لا يخلو بالتأكيد من المواقف اللبرالية الرافضة للضم والمركزية وتستعمل ضمن هذه النزعة مجموعة من المواقف ذات الدعامة الواحدة.
1.العلمنة التحييديـة:
الفكر العلماني الذي بدأ في التشكل مع م القرنين 17 و18 ليصل في القرن 19 ليصبح إيديولوجيا البرجوازية الصاعدة ، بل البرجوازية الاستعمارية التوسعية ، سوف يشكل إحدى أهم الدعامات الإيديولوجية ذات الطابع العلمي للنبش في التاريخ العربي والإسلامي قبل البعثة وبعدها....
وسوف تختلط النزعات الدينية ( اليهودية، المسيحية والكاثوليكية) بهذا الموقف مستفيدة من الشعار الثالوثي للثورة الفرنسية: الحرية ، المساواة، والأخوة ( الذي كان اليهود، دعامة الثورة البرجوازية على الإقطاع والنظام الكنسي البابوي الأرستقراطي) ليختلط اللآئكية بتوابل النزعات الأخرى ذات النكهة الإيديولوجية الدينية.
وعليه فسوف تستعمل الآلة الرأسمالية في بحثها عن الأسواق الخارجية لضمان انتشار منتوجاتها وتمويل ورشاتها بالموارد الأولية المادية والبشرية...سوف تستعمل كل أشكال البحث عن منافذ للتوسع والتهيئة العلمية لهذه المنافذ ...ولهذا الحلم التوسعي الاستيطاني : هو عنصر الاستعمار الكلاسيكي بكل ترسانته العسكرية والعلمية ولم يكن الاستشراق والاستغراب في كثير من الأحيان إلا جزاء من هذا المشروع حتى أولئك الذين يتحدث عنهم د.طيب تيزيني على أساس أنهم ليبيراليين ، مستقلين أو اشتراكيين علميين قد استفادت من أعمالهم هذه المؤسسة الإنتاجية السياسية الضخمة المسماة بالاستعمار.
فهذا جنرال بريمون من أكاديمية العلوم الكولونالية بفرنسا يصرح انه والى وقت قصير يعتقد ان العرب هم من علموا الغرب المتوحش ، يتضح الآن أن هؤلاء العرب لم يكونوا سوى ناقلين للغرب الثقافة اليونانية.
[11] بل إنتاجا ثقافيا محيطيا لمركز يراد له أن يكون غير عربي، ولو كان كذلك، المتمثل في حضارة ما بين النهرين التي تحيل إلى الفهم بأن اليهود كانوا هم الناشرين لهذه الحضارة باعتبارهم تجارا للخمور بشكل خاص ولهذا سيحرم الإسلام الخمر حسب رأي بريمون نشكل من أشكال التحطيم الاقتصادي للنفوذ اليهودي التجاري.[12]

القراءة المتوسطية لشبه الجزيرة قبل الإسلام، تم تشكيلها وتثقيفها من مرحلة إلى أخرى ومن مؤرخ إلى آخر بحيث تم صقل هذه الأفكار لتصبح منسجمة مشكلة لتوجه عام يعبر عن مرجعية واحدة. هكذا نجد بعض المؤلفين الرومان( Cadulle et Tibulle ) منهم ينعتون العربي بالطيب واللين، في تعاملهم التجاري مع الرومان، لينكر عليهم هذا الوصف مؤكدا " أننا كنا نملك رأيا خاطئا غير دقيق على شبه الجزيرة العربية، ...معللا قوله بقول "Pline" بشأن ملايين القطع النقدية التي كانت روما تقدمها للتجارة العربية...لعاصمة ( مكة) بلا صناعة ولا إنتاج عاصمة تمتص كل شيء ولا تقدم أي شيء « مدينة غير منتجة التي كانت تشكل أخطبوطا حقيقيا»
[13]
وعليه، فسوف تعمل النزعة الأورومركزية بايديولوجيتها العلمانية تارة والدينية تارة أخرى على تحويل مجرى حركة المجتمع العربي بعد الإسلام إلى مجرد حركة آلية ميكانيكية يغيب فيها " الثقافي" والعقائدي ليتحول إلى المركز الثاني بعد الاقتصاد والمصلحة التي بنيت عليها حركية المجتمع الرأسمالي : إسقاط ثقافي فكري لم يأخذ بالبعد الأول إلا كبعد إيديولوجي متجل لحالة تراكمات اقتصادية. ستجد في هذا الطرح الدعامة الأساسية لها النزعة المادية والحركية، والفكر الماركسي والتي ستجد في بعض الباحثين والمثقفين العرب ركيزة مهمة في تدعيم هذه النزعة نفسها، نفس النزعة العلمانية اللبرالية التي ستكون "دعاة العصرنة" في الفكر العربي والإسلامي أحد أسسها ولبناتها الداخلية خاصة لما يتعلق الأمر بالبحث عن تأكيد هذا التوجه في ثنايا النصوص التراثية والفكرية والدينية والتاريخية والأدبية.
2.العلمنة الحداثيـة:
لم يكن طه حسين في كتابه " في الأدب الجاهلي " أكثر إثارة مما ذهب إليه المستعرب الإنجليزي مارجليوث( 1889-1940) هو صحة الشعر العربي قبل الإسلام ، وهو المنطلق من بداوة العربي الأمي الجاهلي الذي لم يكن مؤهلا تاريخيا ولا حضاريا لأن ينسج هذا الشعر...بل بهذه الحمولة المعرفية والدينية إذ لا يمكن لعقله المؤسس على المنطق أن يصدق أن شاعرا جاهليا قد يقول:
كل شيء مصيره للزوال غير ربي وصالح الأعمال
أو أن شاعرا عربيا آخر يقول :
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتــم الله يعلم
[14]
وإذا كان الأمر قد أوصل بطه حسين إلى حد التشكيك ونفي حادثة " السيل العرم بغرض انسجام أطروحة " البداوة والجاهلية المتأصلة" في عروبة العربي ومحوا لكل التباس قد يحيل إلى تبني الطرح التراكمي المعرفي والحضاري لتاريخ شبه الجزيرة العربية على العهود الأولى بما ذلك حضارة سبأ، فإن المواجهة التي ووجه بها كانت ذات بعد ديني أكثر مما ينبغي أن تكون ذات بعد حضاري أكبر حين تقطع " المعاصرة" كل أوصالها مع التاريخ ليصبح الشعر الجاهلي وهو أسمى أشكال الدلالات التي توصلنا إليها، مرفوضا وموضوعا"
[15]
هذا المنهج قد وجد في التنقيب عن مظاهر الجهل الجاهلي والأمية العربية " فيضا معرفيا" لرفض أية حضارة ولو لغوية أو فنية و أدبية : استبدلت الثقافة الكاليغرافية كشكل رمزي للثقافة العالمة بالثقافة الشفهية كثقافة أمية، دون محاولة تدقيق في هذه الإلغائية ودون اعتبارات لمحاولة فهم الثقافات الشفهية على أنها أرقى الثقافات التجريدية ، مجتمع طور حاسية الأذن واللسان أكثر مما طورته أية حضارة دون أن يهمل المعرفة الخطية ذلك الإهمال " المطلق" أو حتى النسبي الذي يتحدث عنه المثقفون العرب " المعاصرون" ناهيك عن المستشرقين.
هكذا تشكل القراءة الاستشراقية للموروث الثقافي الحضاري العربي والإسلامي ، منهجا متكاملا مختلف غير منسجم باطنيا، منهج تحول مع القطبيات الثقافية إلى معتقد واحد بطقوس مختلفة اعتنقها تحت تأثير العصرنة والعلمنة تارة وتحت تأثير الإيديولوجية العلمية تارة أخرى مثقفون عرب لتكسيب هذه الثغرة شرعيتها التاريخية و العلمية مقصية بذلك أي منهج وسبيل للبحث العلمي إلا هذا المنهج العلمي الموضوعي الذي لا يضع في الحسبان الذاتية ( العربية والإسلامية) ...ولو كان هو ذاته منهج منحوت من الذاتية الأخرى....


:الهوامش


[1] ينظر د.جواد علي ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء1 ، بغداد ، 1950.

2 د.طيب تيزيني، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي العصر الوسيط ، دار دمشق، 1971، ص 139.
3 أحمد أمين، فجر الإسلام ، القاهرة، الطبعة 3، 1964، ص 13.
4 يتحدث الدكتور عبد المنعم ماجد أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية عين شمس وكتابه " تاريخ السياسي للدولة العربية عن أكل لحم البشر من طرف العرب." وكان بعض الأعراب يذبحون الكلاب كقبيلة أسد ويأكلون لحوم الناس كقبيلة هذيل.
لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب ، دار الجيل بيروت، 1981، ص 78.معتمدا على الجاحظ في البخلاء هذا الأخير الذي يوضح ( وهو غير العربي والمهم الشعوبية ) أن الكلام عن الأطعمة المذمومة كانت تتهاجى به القبائل كالتهاجي بأكل الكلاب وأكل الجراد وأكل الضيف وأكل المرأة كما هجيت بذلك أشعار العبث أو الوضع قبائل أسد وهذيل وباهلة: يقول الجاحظ" وهي أحدهم ثوب بن شحمة يأكل لحم إمراته وكان هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما ميتا ولو مات عندهم جوعا..".
5 يقول ابن قتيبة أن " عبد الله بن عمرو كان قارئا للكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي" أنظر أحمد موسى سالم ، لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب ، ص 27.
6 يمكن أخذ التأثير اللغوي من تاريخ الكتابة العربية ونمطيتها هل هي مقطعية أم أبجدية...متأثرة بالإغريقية أم أن الإغريقية متأثرة بالفينيقية أصلا....يمكن العودة إلى د جعفر دك الباب النظرية اللغوية العربية الحديثة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1996.
7 يعبر عنها أحمد موسى سالم بأنها " سرعة الاحتكام إلى السيف، ص 26.
8 يذهب د.الأسد في قراءته لمفهوم الأمية مستشهدا بآيات قرآنية نؤكد انتشار الكتابة والقراءة قبل الإسلام وشبه الجزيرة العربية كقوله تعالى :" وقالوا أساطير الأولين أكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا..." الفرقان(5)وقوله:" ولن نؤمن لرقيك تنزل علينا كتابا نقرؤه " الإسراء /93 نفس المرجع ص 27.
9 ينظر نفس المرجع، ص 45.
10 يمكن الإشارة هنا إلى حملة من المستشرقين قدموا أعمالا جد مهمة على الأقل فيما يتعلق بالبحث والتوثيق وإن كانت المصادر وإنما تطرح الإشكال العلمي، هل هي موثوقة أو غير موثوقة منهم المستشرق الهولندي ميكال يان دي خويه الذي يقول عن ميمون القداح أنه كان يخفي حقدا قديما على العرب والإسلام مؤكدا على عنصر الشعوبية في هذا السياق...
تنظر ميكال بان دي خويه" القرامطة نشأتهم ، دولتهم وعلاقاتهم بالفاطميين .ترجمة حسين زينة ، دار ابن خلدون (الطبعة والسنة غير واردتين) ص 7.
[1] Général Bremond : Berbère et arabes : La Berbérie est un pays européen : Ed PAYOT-Paris 1950, p 26.
11 ينظر نفس المرجع ، ص 28.
12 المرجع نفسه ، ص 27.
13 يمكن العودة إلى كتاب مارجليوث " محمد وظهور الإسلام " في : لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب، مرجع سبق ذكره ، ص 42-43.
14 يمكن العودة إلى كتاب مارجليوث " سبق ذكره ، ص 42-43.
15 نذكر هنا فقط أن طه حسين عندما امتثل أمام النائب العام ليسأله عن هذه الأطروحات رد د.طه حسين قائلا:" هو فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في كتاب آخر وقد أخبرت بعد ظهور الكتاب أن شيئا من مثل هذا الفرض يوجد في بعض كتب المبشرين " نفس المرجع السابق، ص 50.















17.11.06




الإسلام اليوم: المفهوم غير المفهوم


يمثل "الإسلام" ـ كمفهوم ديني من حيث الدلالة اللغوية التي تأخذ اشتقاقاتها من اللغة السريانية وصولا إلى اللغة العربية ـ مفهوما إشكاليا باطنيا، ذلك أن مفهوم الإسلام، يفهم على وجهين،كوجهي العملة: ظاهري وباطني. الجانب الظاهري، وهو ما فسر لغويا- دينيا على أنه "التسليم بالقدرة الإلهية" و كذا "السلام" أو "الاستسلام" ومنه: الإيمان بالله الواحد الأحد وبالنبي محمد (ص) خاتما لسلسلة الأنبياء والرسل.
الجانب الباطني: وهو ما يهمنا في هذه المقاربة: هو التسليم بوحدانية الخالق والخضوع لإرادته خضوعا مطلقا. أي أن "المفهوم" لا يشترط إلا أن تؤمن بالله الواحد الأوحد، أي أن تؤمن بمبدأ التوحيد، أي، دون الاشراك بالله "شيئا" أو "كائنا". معنى هذا، أن كل من "أسلم نفسه إلى الله" (آمن ووحد)، فهو "مسلم"!، وعليه، فإنه يمكن اعتبار كل معتنقي الديانات السماوية من الموحدين، "مسلمين"! (ما لم يشركوا بالله شيئا!)، من بينهم "النصارى واليهود"..والآيات التي وردت في القرآن الكريم ـ وهي كثيرة ـ تفيد هذا المعنى: "إن الدين عند الله الإسلام" ، أو كما جاء على لسان


النبي يعقوب (ع) لبنيه(الأسباط الـ12): "فلاتموتن إلا وأنتم مسلمون" (وكذا على لسان إبراهيم (ع): "إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين" (وقال عز وجل: "بلي من أسلم وجهه لله وهو محسن.."
فالإسلام معناه الباطني: الخضوع والتسليم بوحدانية المعبود الخالق دون غيره واتباع أوامره ونواهيه ظاهرا وخفية..أي في السير وفي العلن، باعتبار "التسليم" إيمان..والإيمان مقرون بالممارسة: ما "تصدقه الجوارح". هذا ما نجده لدى الكثير من علماء المسلمين، لاسيما فقهاء الباطن وحتى بعض التيارات الإسلامية، الفلسفية كالمعتزلة وإخوان الصفا وغيرهم. *

هكذا نجد الشهرستاني يدخل ضمن "المسلمين" من أتباع النبي محمد(ص) في الفرقة الناجية، لاسيما وان يربط "التطور" والنضوج العقلي بالتطور والنضوج التاريخي، عندما يقف عند حدود الحديث النبوي الشريف على معنى "الإسلام ومعنى" "الإيمان"، ليقف نفس موقف المتصوفة من السلم



ـــــــــ
*يمكن الاطلاع على ما قاله ابن حزم من "الفصل في الملل والأهواء والنحل".

الثلاثي الدرج: "الإسلام، الإيمان، الإحسان".
فالإسلام هو التوحيد والإيمان بالأنبياء والرسل على أنهم "رسل الله" ـ كما تدل عليه أركان الإسلام الخمسة،وهي نفس الأركان الموجودة في
الديانات السماوية: شهادة التوحيد بالله وبالنبي المرسل، الصلاة، الزكاة، الصوم والحج-حسب الاستطاعةـ أما الإيمان، فهو الدرجة التطورية الثانية بعد "الإسلام" لأن الإيمان يقتضي أن تجسد الحواس ما يؤمن به القلب. وعليه، يقول الحديث في معرض إجابة النبي محمد على "الأعرابي (جبريل): الإيمان أن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره.."أن تؤمن بالله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو يراك".
ولهذا تؤكد الآية: "وقالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" وعبارة "لما" تفيد: "ليس بعد أي بعدا تطوريا أو سيرورة زمنية.

1/ الإسلام ولائكية "الدين-الدنيا"

بناء على الرأي "التطوري" الذي حدد المعالم الكبرى لتطور العقل البشري منذ ظهور الإنسان العاقل Homo-sapiens-أو "الآدمي" –نسبة إلى "آدم"-*، فإن "الإسلام المحمدي" يكون أسمى دين وأعلاه مرتبة في سلم "الارتقاء" النوعي والعقلي وذلك بحكم التطور التاريخي وتراكم
ــــ
* آدم: مشتق لغويا من الأدم..أي الجلد الذي لا يكسوه شعر.يمكن العودة إلى:محمد شحرور:الكتاب والقرآن.دار الأهالي,ط7. دمشق1997.

التجارب التي هي تراكم للعقل بحد ذاته.
فالتوحيد مبدئي، والشرك عرضي، أي "ممارساتي" يخضع البشر * للممارسة للحياة اليومية " المادية- الدنيوية" كمحك وصقل وتجريب "واختبار" (الابتلاء): "لنبلوكم أيكم أحسن عملا" .المحك الأساسي ، هو محك في شكل رحى حجرية ذات الفكين: فك علوي وفك آخر سفلي، بينهما تخضع البذور للطحن "والرحي". بموجبه تطحن ليصبح "دقيقا" خفيفا، رفيعا أو لتبقى "حبة"، بذرة دون نتيجة.
مفهوم "الارتقاء" و "التسامي" و "الهبوط" والتدني، مفاهيم تكرس التطورية في كل الأديان السماوية بما فيها، وأكثرها: "الإسلام المحمدي"، الذي يأتي كدين وتعاليم لا كممارسات ! (فالفروق شاسعة بين "الديانة الموسوية" التي هي "اليهودية" ( من أتباع يهوذا) وبين "اليهود"، كما الفرق شاسع بين "المسيح" (ع) و"المسيحيين".
وكما هو البون شاسع أيضا بين "الإسلام" و "المسلمين"، ففي كل هذه المحطات، وخلال الفترات التي تخللتهما زمنيا ومكانيا، كان الرسل والأنبياء (وهم كثر) : "منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك" (، هم من يتكلفون بوحي من الله عن طريق رسله من الملائكة (جبرائيل عليه السلام) بإعادة الناس إلى طريق الارتقاء بعد أن
ـــــــــ
* البشر، وعلى عكس "الأدمي"، هو ذلك المخلوق الذي يكسو جلده الشعر، أي تلك الكائنات غير المتطورة عقليا التي تسمى سوسيولوجيا "بالقطيع الحيواني". ينظر نفس المرجع السابق...


أغرتهم وأغوتهم "شهوات المادة" التي هي " بين الشيطان" في الابتعاد عن
طريق التسامي نحو المراتب السماوية العليا لصالح "الحياة الدنيا" التي ليست سوى "دار غرور": " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" "الإسلام" إذن معناه "التوحيد" والخضوع الذي يرادف في اللغة الفرنسية لفظة (la soumission)، حتى نرى "إبليس" قد طرد من الجنة، أي من "رحمة الله"-الرحمة، التي تفيد المحبة والحفظ وكل مكونات "الحب" الإلهي- فقط لأنه رفض السجود لمخلوق جديد اسمه "آدم"- وترابي المنشأ والمنبت-أي رفض الخضوع والتسليم، وعليه فقد كان "إبليس" خارجا عن طاعة الله، غير خاضع (insoumis ) نزعت عنه "الرحمة" وبسطت عليه "اللعنة" إلى يوم الدين (يوم الحساب النهائي).
هناك إذن، وفي كل الديانات السماوية مستويين اثنين لعمل "الدين": المفهوم العقائدي الفكري، والمفهوم "الممارساتي" أي "العملي". هذا الفرق ما بين المستويين الذي تتحكم فيه "الأهواء" والإنية الفردية-الجماعية" (l’égocentrisme)، هو ما يجعلنا نرى ذلك التصادم والتضاد و"الشيزوفرينيا" الدينية، المتجسدة في التضاد ما بين "الفكر والعمل"، أي ما بين الفكرة الإيمانية العقائدية وما بين ضرورة تطبيق تلك التعاليم في الواقع اليومي، مشكلة سبه "لائكية" غير إرادية أحيانا بين "الدين"



و"الدنيا": الدين الذي يدعو إلى "العلو" والدنيا التي تدعو إلى "التدني" (الهبوط)*
ضمن هذا السياق، تدخل كل الممارسات "الدنيوية" (المشروعة دينيا وغير المشروعة، أي "المحرمة" ) ضمن سياق البحوث السوسيولوجية والأنثربولوجية وكذا باقي العلوم الإنسانية الأخرى التي تجعل من مجال ممارسات البشر وأعمالهم وأساليب عيشهم، فضاء لأبحاثها ،كما هو الشأن مع هذا البحث .
فعلى كل الامتدادات المذهبية الدينية في الإسلام المحمدي، هناك هذه المعادلة الصعبة بين الإسلام والإيمان التي تؤدي إلى "الإحسان".
تبدأ هذه المؤشرات من النص القرآني الصريح، حيث لا نكاد نجد آية واحدة لا تربط الإيمان "بالعمل الصالح": "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات" هذه الآية نجدها كثيرا ما تكرر حتى أننا نجد الحديث النبوي يؤكدها في معادلة واحدة محددة وفاصلة : "الدين المعاملة".

ــــــــــــ
*نشير هنا إلى أن "الهبوط" هو غير "النزول" أو "الإنزال" أو "التنزيل"، فهي مصطلحات متفاوتة في الدلالة، وفي المعنى، ذلك أن الهبوط يفيد التدني في المستوى الخلقي والأخلاقي أي "التقهقر المضاد للسمو أو التسامي أو "الارتقاء".



ولأن "الدين هو المعاملة"، فإن هذه المعاملة هي التي تحدد طبيعة ودرجة "التدين"، أي "القرب من التعاليم الأصيلة للدين..كيفما كان هذا الدين. وعليه، كان من المهم أن نشير إلى هدا الفارق الجوهري بين ماهو "ديني" سامي متعالي وما بين ما هو "دنيوي" زمني خاضع "للأنا" وللتذوق والفهم "الإني" لهذه التعاليم الدينية العليا.

2/ الإسلام والسياسة: المحددات غير المحددة

لم يربط أي دين سماوي "بالسياسة" كما ربط "الإسلام المحمدي"، وذلك لسبب بسيط- معقد في آن واحد: الإسلام المحمدي قد أنتج نظاما "سياسيا" وأسس "لدولة" إسلامية خلال الخلافة الراشدية ولكن الأكثر إثارة، أنه أسس لمشروع نظام حكم، ولو أن هذا النظام سيعرف تغيرا وتحويلا في مساره بسبب "الممارسة" التي تحدثنا عنها سابقا، أي سبب تلك النزعة "التجريبية" للأداء الاجتماعي تحت مظلة "الدين"، نقصد بذلك، ما سمي بـ "الخلافة الأموية والعباسية" وحتى "الخلافة العثمانية" فيما بعد. سوف نلاحظ هشاشة المعادلة الثنائية "الدين المعاملة" (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) عقب انتهاء "النبوة"، وبصفة أكبر بعد انتهاء عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" (ض) مغتالا بعد اغتيال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب" (ض) كما ينتهي الخليفة الرابع "علي بن أبي طالب"هو الآخر مغتالا: ثلاثة خلفاء يغتالون من بين الأربعة (ينتهي العهد الراشدي على أيام "علي بن أبي طالب" لصالح "الإسلام الدنيوي".
الملاحظ هنا أن "الغلبة" الزمنية كانت للأقوى-وهو قانون موضوعي والقوة هنا، هي قوة "العقل" البشري بما يملك من إمكانية الالتفاف والزيغ والمناورة التي تبيحها "السياسة" الشيء الذي لا تؤمنه ولا تؤمن به التعاليم "الدينية" العليا التي تبني معاملاتها وتعاملاتها على أساس "الأخلاق" والقيم النبيلة العليا!! وبذلك تكون كما يقال قد تغلب "السلطان على القرآن".
السياسة إذن في منظور الدين الإسلامي المحمدي، هي فن "الممكن" ولكن ليس بكل شيء ممكن!!
لقد وجدنا أيضا لدى اليهود في سفر يشوع، أي بعد خلافة "يشوع" للنبي موسى (ع) تلك النزعة نحو تأسيس "نظام حكم" أو "دولة" "لشعب الله المختار" على "الأرض الموعودة"، ويمكن ملاحظة نتائج هذه النزعة الإنسانية لدى الاستيلاء على أرض وبلاد ".. الكنعانيين والحثيين والحويين والفرزيين واليبوسيين والجرجاشيين و والأموريين " لاسيما محاصرة وتدمير "أريحا" وإبادة سكانها بنص توراتي صريح:
( الأصحاح 6،7،8..) نفس الشيء نراه مع الامتدادات الاستعمارية الرومانية – البيزنطية (والحرب الصليبية أحسن مثال على ذلك )

3/ الخلافة والإمامة: إشكالية القراءة .

لعل جوهر الخلاف "السياسي العقائدي في الإسلام يكمن في هذه المعادلة: الإمامة الخلافة.
الأديبات الإسلامية في هذا الشأن تجمع على أن الخلاف السني الشيعي يكمن في الولاء .. والولاء هو الجوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم .. بل إنه أساس "الحاكمية". هذه الأخيرة التي كانت من جهة ثم الشيعة والخوارج من جهة ثانية وانتهاء بالصراع الخارجي الأموي في نهاية المطاف... وكل هذه الصراعات والنزاعات انبنت أساسا على مفهوم "الحاكمية".
فالحاكمية (لله أو للخلفية أو لجمهور الأمة أي الشورى) هي صلب وجوهر الخلاف للقراءة النصية والسيرتية للخلفاء والراشدين ومن بعدهم.
لم تكن الإمامة في الواقع معارضة للخلافة، غير أن الاستعمال "الكلي" والإديولوجي للمفهومين، حولها عن مسارهما الاشتقاقي. فالإمامة والخلافة يكادان يكونان مترادفين: خلافة رسول الله (من بعده).. والخلافة تفيد الإمامة أيضا .. معنى ذلك أن الخليفة هو الإمام ؟
غير أن الشرط الذي ارتبط لدى الشيعة مثلا هو شرط "الولاء" لآل البيت إضافة إلى شرط آخر يكاد يكون وجيها وهو" العصمة " للإمام (الخليفة). هذه المسألة نجدها مطابقة لمفهوم" الإمام العادل" أو "العدل" أو "الخليفة الراشد" (في الحكم الراشد)، وهنا تعود بنا المسألة إلى ما تحدثنا عنه سابقا في أن" الممارسة" للدين هي من "يحدد وجهة التدين". ومعنى هذا أن الحراك الاجتماعي (المتغير) هو الذي يحيي "الثابت" على التحول والتغير أيضا، مما يعني أن الثابت في الدين "نسبي" نوجزه في "الكتاب" و"السنة" (كتاب الله وعترة أهل بيتي.. (الحديث): نسبي لأن في هذا الكتاب" الذي هو القرآن الكريم ثابت كنص مقدس لا يمسه التغيير ولا التحوير اللفظي (إنا نزلنا الذكر وأنا له لحافظون .. (الآية). لكن كقراءة، هناك" المتغير في الثابت"، بمعنى أن القراءة والتأويل لا تفترض ثباتا مطلقا لمعنى النص، مما يوحي أن "الثابت"، ثابت نسبي والمطلق، مطلق نسبي، يعتمد على المعاني الجديدة والدلالات الجديدة التي يفترض التطور الاجتماعي والعلمي(شقيه المادي والروحي) أن يكتشفه ويبرزه.
من هذا المنطلق نقول، أن مسألة "الثابت" والمتحول في الإسلام، قابلة للنقاش، بل هي أصل النقاش حول موضوع الإمامة والخلافة وحول "المقدس المدنس" وحول السلطة والدين وحول القرآن والسلطان كما سمته الأدبيات السياسية الإسلامية.
نحن أمام إشكالية منهج لقراءة النص المقدس الذي هو القرآن الكريم، كما نحن أمام إشكال منهجي تاريخي لقراءة "السيرة النبوية" والأحاديث الشريفة... على الرغم من العبقرية الكبيرة والجهد "العلمي المنهجي" الذي اعتمده الرواة في جمع الأحاديث والتفصيل الدقيق في التمييز بين الأحاديث بين ضعيف وصحيح ومرسل وموقوف وموضوع عمل في غاية الدقة، إلا أن ها لا يبرر وجود فجوات من خلال قراءتها السوسيولوجية للتاريخ الإسلامي، لاسيما خلال الحقبتين، الأموية العباسية التي ظهر فيها الوضع بشكل ممنهج في الدواوين الأموية وفي الطرف الآخر من المعادلة أيضاـ ولو أننا لا نملك اليوم القدرة على الفصل العلمي الدقيق في هذه المسألة من خلال "ميكروـ سوسيولوجيا" أو "أنثروبولوجيا التدوين"لأننا لا نملك المفاتح المنهجية لذلك، لكن القراءة السوسيوـ أنثروبولوجية للتاريخ الإسلامي خلال هذه الفترة، تفيد بهذا الاحتمال وبوجود مثل هذه الفرضيات.
نحن إذن أمام إشكالية منهجية: اعتماد المصادر التاريخية الإسلامية الكثيرة والكثيرة جدا ، المتعارضة أحيانا، لاسيما المصادر الشيعية، بالمقارنة مع المصادر السنية وهذا في تحديد المفاهيم وتحديد المبنى والمعنى لكل مفهوم بما في ذلك مفهومي الإمامة والخلافة. وحتى وإن افترضنا إمكانية ذلك، يبقى الإشكال مطروحا، لأننا نتعامل مع مفاهيم متحركة غير ثابتة، تعتمد أساسا على القراءة الذاتية المذهبية وأحيانا على الذاتية – الفردية المتمثلة في "المراجع" وأن كانت عادة، إن لم نقل – دوما – ما تشير إلى أن المرجع واحد..
الإسلام إذن هو حراك اجتماعي. هذا الحراك يفترض حراكا مفاهيميا يواكبه ويساره، و خلال هذا الحراك تبرز إلى الوجود "الحركات" الجانبية – التي نسميها هامشية أو خارجية أو معارضة بالمفهوم الحديث ـ والذي تريد أن تمتلك أدوات الانتفاع من هذا الحراك لاعتبارات "وظيفية" أساسا: ظاهرها نصرة المذهب أو الدين ككل، وباطنها هوياتيه مطلبية أي طبقية ...
إننا في الواقع أمام تحد صعب لحل معضلة: "الديني – الاجتماعي" في حل مشكلة "الديني – السياسي " ، لأن "الاجتماعي"، المرتبط بالممارسة هو من يضع "الديني" ومن يوجهه، ليأتي السياسي ليستغله لخدمة مصلحة أو فئة أو قضية أو أمة أو حالة ما ..
وهنا يدخل الدين في أتون الهوية الفردية المبينة على الآنية والمركزية التي منها تنطلق كل المصالح وكل القراءات وكل التآويل.

درة عب اليبوم القدرة عبلى بلى وفي الطرف اللآخر من المعدلة خ الإسلامي، لاشيء خلال القضيتين الأموية العباسية ةالتي ظهر فيها





18.5.06

7.5.06



القراءة الاستشراقية للقرآن والتاريخ الإسلامي
الشيخ الأطرش ونقض النقد

بقلم : أ..دعمـار يــزلي
رئيس قسم علوم الإعلام والاتصال
جامعة وهران



المنطلق الذي سوف نعتمده في هذه المقاربة، منطلق منهجي ومقاربة مقارناتية: الاعتماد فيها كان أساسا على « التباين والاختلاف» من حيث « الموقع» ومن حيث الموقف لكل من الباحث والمبحوث فيه الذي هو هنا الشيخ أحمد الشريف الأطرش وموضوع عنه حول « القراءة الاستشراقية للقرآن الكريم وللتاريخ الإسلامي .إننا لا ندعي الموضوعية المطلقة، لكننا ندعي الابتعاد نسبيا عن الذاتية المطلقة، وهذا عندما نتطرق إلى موقف الشيخ الأطرش من هذه النقطة بالذات ، الذي هو بالتأكيد موقف من الاستشراق برمته.
يتضح ذلك من خلال قوله النازع إلى الموضوعية والنقد مما يفي التصحيح وليس بما يفي النقض من اجل النقض: يقول الشيخ الأطرش في مداخلة له(موضوع هذه المقاربة) خلال الملتقى الدولي حول « الدراسات الإستشراقية» الذي نظمته كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية في أبريل 2000 والمنشور بمجلة الحضارة الإسلامية في العدد 07 عام 2001 : قد تختلف في أن الاستشراق جوانبه الإيجابية، ولكن لا يحق لنا أن تختلف في أنه صورة من صور الاتصال الحضاري بين الشرق والغرب، (ص230) كما يصر على التأكيد من جهة أخرى، وفي نفس السياق على أن الإنصاف يفرض عليه ألا يبخس الناس أشياءهم «لأن منهم المنصفين كـ: دانيال نورمان الإنجليزي...وغوستاف لوبون .» (ص 235).
من هذا المنطلق، يبدو الشيخ الأطرش ذلك الباحث عن الإنصاف في كل الأشياء، والذي هو إنصاف للحقيقة، إنه يريد أن ينصف المستشرقون القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي، كما يريد أن ينصف بعض المستشرقين ممن نقل بعض الكتابات لكتاب مسلمين للاستشراق في عمومه.
كما نراه من جهة أخرى محمولا بنفس الرغبة في الإنصاف (الذي هو مبدأ علمي وديني أيضا).
يصر القول على أنه ليست كل ما سماها « بالأخطاء»التي سقط فيها المستشرقون في دراساتهم للتاريخ الإسلامي للقرآن الكريم...ترجمة، وتفسيرا، مردها للنية السيئة والتي لا يستعبدها بل يؤسس لها كمنطلق أصلي ما دام أنه يرتبط تاريخيا الاستشراق بالتبشيرية المسيحية بداية من سقوط الإمبراطورية العثمانية.....وإنما يقولك« ولا ننكر أن لهم ميزة التنبيه على مسائل لم نعرها أي اهتمام وحتى أخطائهم كان لها جانبها الإيجابي عندنا، للرد عليها بالأسلوب العلمي المقنع على أن أخطائهم أحيانا لم تكن مقصودة، فما بجهل بعضهم بواقع الأمر أو لقصورهم في فهم اللغة العربية.(ص23).
من خلال هذا التأكيد، يتجلى لنا الموقف والموقع الرصين للشيخ الأطرش في تناوله لأكثر القضايا حساسية، إنه يتناول حتى المواضيع تعقيدا بأسلس الطرق، إنه يؤكد على المنهج....وعلى الاقتراب العلمي و المنهجي من مسائل معقدة لا نملك فيها خيارات كبرى وأدوات علمية موضوعية صارمة. النصوص مبنية هنا على « النقل» وفي كثير من الأحيان يغيب العقل عند النقل وتغيب معه الأدلة المادية المقنعة ما يجعل ترجيح« الثقة» و الصدقية » في الشهادات وبالتالي في المؤلفين التراثيين الطريقة الوحيدة المثلى لتوخي الحيطة والصدفة. في النقل.
رأينا ذلك مع بداية العصر الأموي وما ظهر فيها من وضع وطرح للأحاديث وتلفيق و إقتنائية و تأويل أثناء حملة التدوين التي انطلقت بخلفية سياسية إيديولوجية وليس من خلفية موضوعية علمية. قد نقول أن ذلك قد استمر إلى ما قبل فترة الأمين والمأمون خلال العهد العباسي.
الشيخ الأطرش يعتمد على هذا الإدراك الثقافي المعرفي وينطلق من موقع « المنتمي» أي موقع « المصدق» لا المشكل في النصوص وفي التاريخ الشرعي أي التاريخ القريب من البعثة والذي نسميه بالعهد الراشدي ذلك أن هذه الفترة، كانت أكثر الفترات تعقيدا لتأسيس الفكر السياسي الديني مما جعل الكتابات فيهالا سيما الإستشراقية تتعاظم وتتظافر بغية البحث عن قراءة « غير شرعية»(أي غير منتمية) لقراءة شرعية للتاريخ «شبه الرسمي» للفترة إياها.
في هذا المجال بالذات ، نجد الشيخ الأطرش يقتحم التاريخ من باب الكتابات الإستشراقية ليعيد قراءة مغايرة. إنه يملك ملكة اللغة العربية وأصولها وفقهها، لكنه أيضا يملك ملكة البحث والإطلاع والتنقيب في أمهات الكتب التاريخية والفقهية، بفكر مستنير متفتح وعقلاني، لا تتناقض عنده ذاتيته المنتمية مع موضوعيته الموقفية. إنه ينطلق من كونه مؤمن ومسلم، فهو بالتالي في صف مغاير للمستشرقين الذين ينطلقون من كونهم إما مؤمنين غير مسلمين (مسيحيين)،أو غير مؤمنين وغير متدينين أصلا.....إلا أن هذا لا ينقص من موضوعيته شيئا فالموضوعية لا تعني الانسلاخ من الجلد للتحدث عن الجسد من حيث هو هيكل عظمي فقط.
نجد ذلك واضحا في تعليقه عن ما يسمى « بحديث الغرانيق»، حيث يعتبر ما أسس عليه المستشرقون نقلا عن بعض الروايات التاريخية العربية من أغرب الأشياء.
غير أن الشيخ الأطرش عوض أن يذهب إلى المصدر
1 بقي في حدود « المرجع» ذلك انه لم يذكر« الطبري» ولم يشر إليه، مع انه أحد من أشار إلى هذا الحديث الغريب الذي تلقفه بعض المستشرقين بلهف ونهم.
منهج الشيخ الأطرش في التعامل مع هذا الحديث المزعوم، اعتمد على العودة إلى مرجع نفي لا إلى مرجع ذكر فأشار إلى من كذب هذه الرواية بالاسم:« ومن بين من كذب هذه الرواية ابن العربي وفخر الرازي وغيرهما…..» يقول الباحث (ص 238) ولكي يعزز رأيه ، يستشهد بقول فخر الدين الرازي في هذا الصدد الذي يقول : أما أهل التحقيق فقد قالوا:« هذه رواية باطلة موضوعة واحتجوا عليها بالقرآن الذي مراه « قولا فصلا» إلى التفسير الكبير ج 23 ص5. دون أن يحقق قول أهل التحقيق هؤلاء ، قد يكون ذلك لدى الشيخ الأطرش من باب تحصيل حاصل، ذلك أن الإيمان المطلق بالحقيقة المطلقة، لا يكلف أحيانا عناء البحث عن تأكيد شيئي مؤكد، ليصعب تأكيده.
ما دعانا إلى التفكير مليا هو وصف بعض هذه التفاسير « الخاصة» من طرف الشيخ الأطرش بالتفاسير الباطنية التي تشكك في صدقية إصابتها وملامستها للحقيقة، فهو يرى أن « هذه التساؤلات لما هو غني عن التأويل ، فتحت الباب للباطنية المغرقة ونظائرها لينقلوا بأدائهم في كلام الله ما ليس منه تحت غطاء.

إن للقرآن ظاهرا يفهمه كل الناس وباطنا لا يصل إليها إلا الخاصة(ص 239)نجد الشيخ الأطرش يتحدث عن التأويل الباطني للقرآن باعتباره نهجا مجانبا للحقيقة فيما نجده يستشهد في هذا المثل بالذات (حديث الغرانيق) برأي باطني....بل برأي أكبر الباطنيين: الشيخ الأكبر.
قد يكون الشيخ الأطرش يقصد بالتفسير الباطني هنا، نزعة خاصة وليست مدرسة تاويلية بحد ذاتها.إذا علمنا أن الباطنية لدى الشيعة أو فلسفة التصوف لدى السنة والجماعة، منهجان باطنيان يتعاطيان التأويل الباطني باعتباره عين الحقيقة لا ظاهرها، فإنني لا أرى الشيخ الأطرش يريد به هذه المدارس بالذات بقدر ما يقصد نزعات انفرادية نسميها باطنية أي تقديرية، قراءة خاصة يرونها خاصة الخاصة دون العامة، وهذه النزعات كثيرا ما تجانب الحقيقة التي يدعون البحث عنها أو تمثلها.
على مثل هذه القضايا التاويلية، يمر الشيخ الأطرش ماسحا بعض الحالات التأويلية فيها الآية الكريمة 21، 22، 23، 24، سورة (ص) حول الخصمين الذين تسوروا المحراب ودخلوا على النبي داود بنفس الأسلوب المعتمد يحيل الشيخ الأطرش إلى تفسير ابن كثير عن هذه الآيات في ج6 ص53، الذي يذكر فيه انه قد ذكر المستشرقون هاهنا قصة أكثرها مأخوذة من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب إتباعه (ص238).
ما كان واضحا وضاحضا لدى الشيخ الأطرش هو الجانب التاريخي أو بالذات « التأريخي) لبعض الحوادث ولبعض الشهادات التاريخية إلى جانب فيها بعض المستشرقين الحقيقة، عند جهل أحيانا وعن تجاهل أحيانا كما أشرنا إلى ذلك في تأكيد الباحث لهذه المسألة.
هذا الشيخ الأطرش يرد على شارل بروكلمان الذي ينعنه بـ« المعروف نسبيا بالإنصاف» في معرض حديثه عن الفتنة الكبرى بنسبة محمد ابن أبي حذيفة1 أبوه حذيفة) إلى أبي بكر بالتبني، عوض أن يقول « مولى» أبي بكر لأن الاسم يشير إلى الأب بالنسب. يرد الشيخ الأطرش كلام بروكلمان بقوله:« والخطأ ظاهر في كلامه من وجهين أحدهما: التناقض بين نسبة محمد بن أبي حذيفة إلى أبيه إلى أبيه نسبا ثم نسبة إلى أبي بكر تبنيا وهذا يعلم أن التبني حرام (ص232).
كما يقف من جهة أخرى على قول بروكلمان أن أول من اخترع المنبر في المسجد هم عمال الأمصار في السنة الثانية من الهجرة، ليرد عليه الشيخ الأطرش بأن هذا أيضا خلافا للواقع، ذلك أن المنبر كان في عهد الرسول محمد (ص) بإجماع المسلمين (ص232) ويستشهد الشيخ الأطرش بالحديث: « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» بل ويذهب إلى حد وصف هذا المنبر : « كان الرسول (ص) يخطب عليه واقفا ليبلغ الناس وكان له ثلاثة أدراج ، ثم في عهد معاوية وولاية بن الحكم على المدينة حوالي ست درجات»(ص233).
في مسألة المنارات ، يقف أيضا الشيخ الأطرش ليصح الخطأ: وكان خطؤه(بروكلمان) في أحداث المنارات (..) والواقع أن أول من أحدث المنارة في المسجد « مسلمة ابن مخلد» زمن ولايته على مصر سنة 47هـ (667م )(ص 233) يأتي هذا التصحيح ردا على قول بروكلمان أن « العثمانيين هم أول من احدث المنارة في المسجد في آسيا الصغرى».
هكذا نرى الشيخ الأطرش يتعامل مع الأحداث التاريخية ومع الوقائع ومع التأويل والتفسير، من قاعدة أن اليقين المبدئي يبدد التشكيل النهائي، لا بل يعتمد على قاعدة أن منطلق الاستشراق كان « منطلق نفي» من اجل تأكيد هذا النفي، بل والتعامل مع شخصية النبي المعصوم كشخصية بشرية لا غير مما يجعل كل بنائهم الفكري والعقائدي يصب في هذا الاتجاه وفي هذه الغاية : تعرية وكشف الغطاء عن « نبوة» مزعومة.
من هذا المنطلق نبني موقف المستشرقين في عمومهم على الإقتنائية والإرجاعية والقراءة التضمينية التخمينية للنصوص بغية تخويل مسار الفهم والمغزى الدلالي للآيات والأحاديث أحيانا.
1
وللتعامل مع هذا« الموقف» وهذا« الموقع » الذي اتخذه أهل هذا الموقف، كان على الباحث أن يعيد قراءة القراءة الإستشراقية قراءة معكوسة بالاعتماد على منهج كان السلف قد تعاملوا به وهو التروي في التصديق والتمحيص والغربلة والتدقيق في جمع الأحاديث وفي تحيرها لتفادي الموضوع منه والمنحول والمنسوب ذلك أن الشفهية كانت بسمة التأريخ والحفظ والتواتر عن طريق السماع كان المنهج المتبع في الجمع والنقل.

لقد كان الشيخ الأطرش يعرف هذا ويؤمن به ويعلم أن ما وصل إلينا قد مر على غربال التدقيق والتمحيص وان سقط من الغربال ذي الأعين الدقيقة هو ما وصل إلينا، والذي يعتمد عليه في التفسير وفي الشرح وفي القول والفعل وان ما بقي في الغربال من قليل الأشياء الذي يقع عليها الإجماع ولم يقبلها العقل ولا الشرع ولا الواقع هي التي جعل منها البعض مادة لاهتمامهم وأمهات لبنات أفكارهم سوقوها فيما بعد على أنها « طابوهات » ومسكوت عنها لحاجة في نفس المسلمين.
هكذا حاول الشيخ الأطرش في هذا الموضوع إعادة طرح إشكالية الصدق والمصداقية على أسس جديدة: التواتر التاريخي الصادق والقراءة الإعجازية للقرآن الكريم لا القراءة النصية ولا القراءة الباطنية الفجة أي القراءة التاويلية الذاتية.....كان منطلقه الصدق والإيمان بصدقية الصادق الأمين والإيمان بأن القرآن والسنة يتكاملان ولا يتناقضان وبالتالي فإن التأويل ينفيه القرآن أو تلغيه السنة
لا يمكن قبوله عقليا كما لا يمكن قبوله افتراضيا.منهج مقارناتي توازني لا يقف عن سقائق الأمور مجادلة ولا يتعامل مع الأحداث إلا بالعودة إلى الحدث: مرجعه فيه كل التراث الإسلامي ذي المنحى الموضعي لا العمل الروائي الأدبي الذي كثيرا ما داخله الخيال والوضع والتلفيق والذي كان للأسف الشديد ملاذا لتأكيد ما لا يمكن أن يتأكد.


وهـــران يوم 01/03/2006













المــراجــع:
1.مجـلة الحضـارة الإسلاميـة، عـدد 7 ســنة 2001.
2.باترشيـا كرونـه، مايكـل كولة، الهاجريـون، ترجمـة نبيـل فيـاض (بيروت دار نشـر) سنـة 1999.
3.محمد ناصر الألباني : نصب المجانيق لنسق قصة الغرانيق.


























1
يمكن العودة إلى كتاب: نصب الغرانيق لنسق قصة الغرانيق لمجد ناصر الدين الألباني.
http : /www. islamiyyat.com/books.htm.
1 يمكن في هذا السياق التحدث عن كثير من القضايا منها قصة « التحريم المحمدي» كما تقول كل ما باتريشيا كرونه ومايكل كوك في مؤلفها بعنوان« Hagarisme » والذي ترجمه إلى العربية نبيل فياض The making of islamic world بعنوان الهاجريون ( في الواقع أن التسمية كان من المفروض أن يكون الهاجرية وليس الهاجريون the hagarians (بدون دار نشر )1999. ننظر ص 56-60.

27.4.06

25.4.06



جوهرة المسائل في "خاتمة كتاب الرسائل لأهل الوسائل"
قراءة في مفهوم"أبناء القلب"وأفضليتهم على"أبناء الصلب" لدى الشيخ سيدي عدة بن غلام الله


د. عمار يزلي
قسم علم الاجتماع
جامعة وهران



لعل أهم شيئ يتعلق به الإنسان "هذا الكائن الاجتماعي" ـ بلغة فلسفة الاجتماع ـ هو "النسب" و "الانتماء" (Le lien et l’appartenance)، في تحديد هويته الفردية والجماعية. وعلى هذا الأساس، تشكلت الروابط والأنسجة الاجتماعية:أسرية كانت أم عرقية قبلية. وعلى هذا الأساس أيضا بنى الفرد كيانه الاجتماعي:الأسرة، العشيرة والسلالة قبل أن يعطيها في كثير من الأحايين تلك القداسة المشار إليها في القرآن الكريم:" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر.."(التكاثر/1/2)، الآية التي وردت في حق تفاخر بني سهم وبني عبد مناف أيهم أكثر عددا
[1]، وأحيانا أكثر تطرفا ـ حتى لا نقول " أكثر سذاجة" ـحين تمثلت الكثير من السلالات لجد أول في شكل حيوان أو نبات أو جماد، وهو ما ننعته بالفكر الطوطمي..
اهتمام الإنسان بالنسب، مرتبط أيضا بمفهوم "الحسب"، أي: المكانة الاجتماعية التي عادة ما تكون مادية، حتى أن النسب لم يعد ينفصل عن مفهوم الحسب. يتراءى لنا ذلك في محاولة ربط علاقة قرابة جديدة عن طريق المصاهرة عندما نتحدث عن "بنت الحسب والنسب".
النسب والانتساب، مفهومان مختلفان بحكم أن الانتساب يعني دلالة فعل الارتباط الفعلي أو المفتعل. وهذا معناه أن هناك "المنتسب" أو اللصيق (المسمى أيضا في العربية :اللزيق") إلى النسب دون أن يعني ذلك أن ذلك نسبه الفعلي. هذا ما نجده متداولا بكثير من الإصرار أحيانا في نزعة الارتباط بنسب معين (النسب الشريف أساسا)،في المدونات التاريخية والأدبية لبيوتات أو لسلاطين وأمراء عربا وبرابرة وأعاجم. نذكر من بينهم على سبيل الحصر المهدي بن تومرت وعبد المؤمن بن علي الذين اجتهدوا في تدوين أسمائهم ضمن الشجرة الشريفة لآل البيت.
النسب الحقيقي لدى الشيخ سيدي عدة، هو النسب الروحي .. نسب القلب..أما النسب الدموي المشار إليه "بالنسب الطيني"، أي المادي الترابي: ("..ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين".. المؤمنون/ 12..."كلكم من آدم وآدم من تراب" ..الحديث..)،فهو نسب أرضي .. عرضي..زائل..وغير دقيق وغير تام..
1/لا نسب إلا نسب القلب
الشيخ سيدي عدة، مثله مثل باقي أهل السلسة العرفانية، إنما يتحدث عن النسب من منظور باطني. فهو بهذه المعادلة يلتقي مع المعادلة الربانية في وصف النسب الطيني لدى ابن سيدنا نوح عليه السلام بأنه "عمل غير صالح":".. ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعضك أن تكون من الجاهلين"..(هود/ 44/45)، مما يفيد أن النسب الحقيقي هو النسب الروحي.. "نسب القلب" الذي ينتج عن زواج أثيري روحي متعال بين قلب المريد وقلب الشيخ فقلوب المشايخ في السلسة الصفوة.وعليه، فمسألة احترام المريد للشيخ وتقديره والذوبان في محبته والإخلاص له من المسائل المحسومة في الفكر التصوفي بشكل عام، على أنه لا يمكن أن تتصوف بدون شيخ مرشد
[2]. الشيخ سيدي عدة، كثيرا ما نجده يؤسس لهذا الجانب الأساسي في نسج الرابطة القلبية بين أتباع الطريقة الواحدة أو ما بين الطرق المختلفة التي كلها تمثل الطريق إلى الله.
الرضاعة المادية، معروف عنها أنها من المسائل الأساسية في ربط تلك العلاقة النموذجية في المحبة: الأمومة. فالرضاعة مع التربية تتمم فعل الولادة.. والولادة بدون رضاعة وبدون تربية تفقد الوالدة أمومتها فيما تحتفظ فقط بالجانب الوضعي :الولادة. كما أن الوالد قد يفقد خاصية الأبوة إذا ما فقد العلاقة مع مولوده التي هي علاقة التربية، وعلى هذا الأساس ينبغي أن نفرق بين الأم والوالدة من جهة والوالد والأب من جهة ثانية!
[3]
الرضاعة لدى الشيخ سيدي عدة بن غلام الله، رضاعة نورانية متعالية لطيفة نقية من شوائب الرضاعة المادية والمورثات البيولوجية والحسية. نقرأ عنده في هذا الصدد ما يلي:"..فهم (المشايخ أجمعين) رضي الله عنهم كالأشبال عند أمهم، كل واحد يرضع ما قدر له، ولم ينقص رضيع لأخيه، فيمد الرب الكريم أبا القلب بمادته النورانية حتى ولو كانت آلاف الألوف من أهل البدايات يتكلم لهم بعلم البدايات ، ولو كانت آلاف الألوف من أهل النهايات يتكلم لهم بذلك ولا يكل"[4].
يركز الشيخ سيدي عدة،على النسب القلبي باعتباره أساس استمرار المحبة الروحية والتفاني فيها، ذلك أنه يرى أن المحبة المطلقة بين الشيخ والمريد هي ولادة ثانية، بل الولادة الحقيقة والأولى، لأنها ناتجة عن فتح القلب وليس عن عمل الصلب..
الحب والمحبة القرابية الدموية (الطينية)، تبقى محبة مبنية على المصلحة وإن داخلها الجانب العاطفي الحسي إلا أن المادية تطغى على العاطفة المطلقة إذا لم يكن الحب حبا روحيا أساسه النسب القلبي..المحبة الدموية الطينية محبة، لكنها لا ترقى إلى حدود المحبة الطلقة التي نجدها في الفلسفة اليونانية كثيرا ما يشار إليها بالحب الأفلاطوني .. أي الحب المثالي..غير المادي المتعالي عن المصلحة المادية الآنية أو الظرفية..
المحبة الطينية لا يمكنها أن تتجرد من الملموس إلى المحسوس وتتلاشى في هذا الأخير لتذوب فيه وتمحي آثار الملموس محوا تاما. فحتى محبة الوالدين مرتبطة بالمصلحة:الطفل يبكي على أمه الغائبة أو المتوفاة لأنه بحاجة إليها..والطفل عندما يصير رجلا مستقلا..كثيرا ما تقل حرارة رابطة الأم لأنه لم يعد يشعر بمصلحة تجاهها..!على عكس ذلك، تبقى المحبة الروحية محبة مطلقة لأنه لا مصلحة ولا طائل ولا نية ولا قصد من ورائها ولا رجاء..ولا خشية..وهو الحب عند رابعة العدوية في وصفها لطبيعة الحب الإلهي!
2/ صلة القلب ولقب الصلة
"ابن القلب"،يربطه رابط القلب بأبيه.. والقلب هنا يقصد به تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسم كله..والتي لا تتوقف لحظة عن النبض دلالة على الحياة وعلى الحركة..لهذا سميت قلبا، فقلب الشيء في اللغة العربية هو أهم شيء في الشيء!. لهذا ترى الشيخ سيدي عدة يستعمل هذه المعادلة التقريبية لإفهام العامة فهم الخاصة.
الشيخ سيدي عدة، عندما يتحدث عن هذه العلاقة بين القلب والروح..يحيلنا إلى إبراز ما أبرزه علماء المادة أنفسهم عندما ربطوا القلب بالدماغ..وبالإشعاعات التي يصدرها كل من القلب والدماغ.
فلقد أثبت العلماء أن منطقة القلب المسماة "Heart chakra "، أي "الهالة القلبية"تولد 12 إشعاعا بلون أصفر ذهبي متألق،حيث تأتي قوة التألق الهالية النورانية هذه مباشرة بعد هالة المركز الإكليلي أو التاجي "Crown chakra" الموجودة في قمة الرأس، حيث تتألق بشدة ، إذ يبلغ عدد إشعاعاتها 960 إشعاعا يغلب عليها اللون البنفسجي، وفي مركزه 12 إشعاعا تتألق بلون ذهبي خاطف، وقد رسمه الأقدمون على شكل هالة ذهبية مشرقة تحيط برؤوس القديسين. هذا المركز وثيق الصلة بالغدة الصنوبرية وهي نقطة الاتصال بين الروح والجسد ..
[5]
فحديث الشيخ سيدي عدة عن أبناء القلب،مرتبط بحديثه عن ارتحال الشهوات الحسية والمعنوية عن النفس. فهو يربط فتح القلب ببنوة القلب..وفتح القلب لاستقبال "الوهبية" شرطه تطهير النفس وترقيتها من أدناها:النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة إلى النفس المطمئنة..وشرط ذلك المحبة والذوبان في الواحد عن طريق السلسة الطاهرة من نسب القلب.
لهذا، فإن بنوة القلب وأفضليته عن بنوة الصلب، أراها عنصرا محوريا في فكر الشيخ سيدي عدة بن غلام الله الفكرية والتصوفية، بل وعنصرا مؤسسا لكل العناصر التابعة أو الفلكية الأخرى.
3/ نسب البشرية وحسب الروحانية
فالتوفيق لتحصيل الوهبة الإلهية،والتي هي في الإنسان ومنه وله بتعبير سيدي عدة،قوامها تحرر الروح من سجن الجسد وقفص المادة المعيق لحركية التجريد والانطلاقة ورؤية ما وراء المرآة بعد "حكها" ـ كما يقول بعض شيوخ الصوفية رضوان الله عليهم ـ هذا التحرر،الذي بإمكانه وحده فهم معنى علاقة الشريعة بالحقيقة وفهم أسس العلوم اللدنية وعلاقته بالعلوم الكسبية.
في هذا السياق،يعترف الشيخ سيدي عدة بن غلام الله بأن المادية الفزيولوجية غالبة على الطبع البشري و القاعدة هي التوفيق بين الروحانية والمادية وليس تغليب إحداهما على الأخرى.فهو يقول في هذا الصدد:"..اعلم أن البشرية غالبة على أي حال وأن الوقت وقتها والبلاد وبلادها (يربط الوقت بالبلاد أي الزمن بالمكان ويقصد به زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر باعتباره كان قاضيا ومشرفا على جمع الزكاة لدى الأمير عبد القادر)..وصاحب الوقت غائب وصاحب البلاد مسموع له وإن كان في غاية البغض.. قلّ من يسمع له وإن كان في غاية الحب كما هو مشهود مرئي إلا من كانت القدرة حاكمة له بملك أهل البلاد وسبقت سعادته فيسري كالماء بين الأغصان شيئا فشيئا وهو يزيد قوة وغيره يزيد ضعفا حتى يفنى حبه منهم وينطبع حبه في غيرهم يجدهم طوع يده. فهذا معنى البشرية مع الروحانية"
[6].
أبناء القلب هنا، هم أتباع الطريقة التي تربطهم صلة المودة وصلة الروح، أو ما نعبر عنها بالتعبير الأنثروبولوجي "سلطة المقدس"، ذلك أن "سلطة" الشيخ على أتباعه ومريديه(ونستعمل هنا عبارة "سلطة" بصياغة مجازية ذات دلالة تختلف عن مفهوم "السلطة" الوضعي)،هي "سلطة" أساسها الإخلاص في المحبة والتفاني في المحبوب:محبة بذاتها لذاتها في ذاتها، محبة خالصة لا رجاء فيها ولا خوف، عكسها في "محبة" السلطان، التي أساسها الخوف والرجاء والخضوع والانصياع وأحيانا التزلف والتملق والمواراة. وعليه، فإن بنوة القلب هي صادق النسب وحقيقة الحسب وهي الأصل وهي الصلة الفصل، بينما لا تمثل بنوة الصلب سوى مجرد بنوة بقوة الفعل أي تحصيل حاصل شكلي لصلة شكلية.. وهذا ما حاول الشيخ سيدي عدة التركيز عليه، بل والتأسيس عليه لفكرة المحبة المطلقة والنسب الشريف..فالشريف بصالح الأعمال لا بالنسب الطيني أو الانتساب إليه دمويا ومناصبته العداء قولا وعملا..
هكذا كنا كثيرا ما نجد شيوخ التصوف في حالات خاصة لا يفضلون رؤية أحد من غير أبناء القلب، والأكثر قربا منهم، مفضلينهم حتى على أبناء الصلب..باعتبار أن الصلة بينهم هي صلة أرضية ترابية طينية بينما الصلة بينهم وبين ابن القلب صلة روحية متعالية.
4/ القرابة النورانية..وعصبية الأنانية
هكذا نجد، نفس التوجه لدى الأنبياء والرسل عندما يختصون بصاحب مقرب ، أو تسميه الطائفة الشيعية بالوصي، قد يكون من قرابة طينية ـ روحية وقد يكون من قرابة روحية فقط.
النسب الروحي، لدى الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين،ومنهم الشيخ سيدي عدة، هو من صميم الحقيقة التي لا تنفصل عن الشريعة، ومن صميم علم الباطن الذي لا ينفصل عن علم الظاهر .في هذا السياق نجد أبو القاسم القشيري يقول:" الشريعة من غير الحقيقة عاطلة والحقيقة من غير شريعة باطلة"، بينما نجد الإمام مالك يقول في نفس التوجه:"من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق"
[7].
هكذا كان صحابة النبي (ص) وعلى رأسهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من خلال الأحاديث الكثيرة المروية عنه صلى الله عليه وسلم (حديث يوم الدار، حديث المنزلة،حديث غدير خم)، وهكذا كان حواريو النبي عيسى عليه السلام الإحدى عشر وعلى رأسهم بولس الرسول حسب الأناجيل الأربعة، وهكذا كان الأحبار الأوائل عند سيدنا موسى وعلى رأسهم "ابن أمه".. هارون، قبل أن يتمدى الأتباع..إلا ما رحم ربي..
هكذا، نجد المسيح عليه السلام، وهو النبي الذي لا أب طيني له..المتعالي في الروحانية، نجده في الأناجيل ، يرد على أتباعه عندما جاءت أمه واخوته لرؤيته:"هؤلاء هم أمي واخوتي..وأشار بيده إلى تلامذته" حسب إنجيلي لوقا ومرقس.
النسب الروحي، ليست مسألة جديدة لدى أهل التصوف والعرفانيين بشكل عام، غير أن الصيغة التي اعتمدها الشيخ سيدي عدة والمعادلة التفضيلية المؤسسة على البينة، واعتمادها حجرة الزاوية في أية طريقة إلى الله،هي التي دفعتنا إلى التركيز على هذه النقطة بالذات وتتبع أصولها وفصولها في جزء من مكونات الفكر الصوفي بشكل عام.
هكذا أراد الشيخ سيدي عدة بن غلام الله لنا ولمريديه وأتباع الطريقة البوعبدلية.. نسبة إلى هذا "العبيد" كما كان يلقب نفسه تأدبا مع الله وتحقيرا للنفس وتواضعا أمام الله وأمام المشايخ أهل الوسيلة.. هكذا أراد أن يوضح لنا معنى الرابطة الروحية وعلاقة القرابة الحقيقة التي تسمو على كل أشكال القرابات الفزيولوجية التي قسمت الناس إلى أسر وبيوتات وعشائر وقبائل وسلالات..متصارعة متحاربة أحيانا باسم الرابطة الدموية وباسم النسب .. التي بنى عليها بان خلدون كل نظريته في الحراك الاجتماعي ..باختصار..عصبية النسب الطيني..عصبية أبناء الصلب..
ـــــــــــــ







المراجع:
1/ القرآن الكريم.
2/ الإنجيل (العهد الجديد).
3/سيدي عدة بن غلام الله: خاتمة كتاب الرسائل لأهل الوسائل .منشور أشغال الملتقى الأول حول الشيخ سيدي عدة بن غلام الله وآثاره في الفكر والتصوف.طبع جمعية افكر والثقافة بتيارت. 1999.
4/ بن عباس: تنوير المقياس في تفسير بن عباس. المكتبة التجارية الكبرى / مصر. 1971,
5/ صلاح مؤيد:الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر: تاريخها ونشاطها.دار البراق/ لبنان. ج1. / 2002.
6/ د. محمد شحرور:الإسلام والإيمان.منظومة القيم.دار الهلال . دمشق.1996. 7/ د. رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد.ج/2. ط2/ دار الفكر العربي. القاهرة.1966.
[1] يذكر بن عباس أن بني سهم قالوا:"أهلكنا البغي في الجاهلية فعدوا أحياءنا وأحياءكم وأمواتنا وأمواتكم، ففعلوا فكثرهم بنو سهم
ينظر: تنوير القياس من تفسير بن عباس:المكتبة التجارية الكبرى . مصر. 1960.ص: 390
[2] هناك مثل شعبي يقول:" اللي در شيخه مزود غير يروح يرقد" أي أنه من اختار أن يكون شيخه مزودا أي كيسا.. فمن الأحسن أن يذهب لينام أي لا داعي لكي يفكر أن يكون متصوفا!
[3] لمزيد من التفصيل، يمكن العودة إلى : د. محمد شحرور:الإسلام والإيمان: منظومة القيم. دار الأهالي . دمشق. 1996, ص:267
[4] أشغال الملتقى الأول حول الشيخ سيدي عدة بن غلام الله وآثاره في الفكر والتصوف: جمعية الفكر والثقافة. تيارت.1999. ص: 120
[5] د. رؤوف عبيد: الإنسان روح لا جسد. ج1/ط2/ دار الفكر العربي/ القاهرة. 1966. ص: 455
[6] أشغال الملتقى حول الشيخ سيدي عدة بن غلام الله. سبق ذكره. ص:148
[7] صلاح مؤيد:الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر: تاريخها ونشاطها. دار البراق/ لبنان. ج1,2002.ص:11

سلوك العنف من عنف السلوك
مقاربة من مفهوم " الخشونة" الثقافية في الجزائر

د. عمار يزلي
قسم علم الاجتماع
جامعة وهران




البحث في أصول العنف كممارسة اجتماعية وسياسية، يقتضي البحث أ ولا في : المشتلة: الثقافية ـ الاجتماعية والاقتصادية (نمط الانتاج) الذي أوجد هذه التربة الصالحة لنمو وانتشار هذا السلوك وتلك الممارسة.
ولأننا بحاجة إلى توضيح صريح بشأن العوامل التي تدفع إلى" امتهان " العنف كوسيلة لتحقيق أغراض مادية أو رمزية، أو لتحقيق وإشباع حاجة مادية، فإننا ننزع إلى اعتبار العامل المادي عاملا مهما ، إن لم يكن محددا وأساسيا في توسيع دائرة انتشار العنف، تنضاف إليه مجموعة من العوامل التي إما أن تتبعها أو تسايرها وتوازيها: الفقر، البطالة، تفكك الأسرة والحرمان العاطفي، الانحلال الخلقي والتدمير الاقتصادي (1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في بحث ميداني بولاية وهران، أجري سنة 2003 ، اتضح أن 40% من حالات جنوح الآحداث، تشكو اليتم الأسري (تفكك الأسرة) وأن 68% منهم يسكنون بيوتا مكونة من أقل أو تساوي 3 غرف بمعدل 7 إلى 10 أفراد في المسكن الواحد. كما اتضح أن –(65,33% من آباء العينة المأخوذ من 3 مراكز لإعادة التربية بوهران يفتقدون إلى عمل أو يعملون بشكل مؤقت وأن 47,98% من الآباء يعملون لكن بدخل ضعيف.
وفقي وفاء:عوامل جنوح الأحداث (دراسة ميدانية في مراكز إعادة التربية بولاية وهران). رسالة ماجستير في علم الاجتماع التربوي. قسم علم الاجتماع . جامعة وهران 2002 ـ 2003

غير أننا بعد هذا التوضيح المنهجي، لا ينبغي أن نقر بأن هذه العوامل وحدها كافية لتحريك هذه الآلة الاجتماعية. " القابلية والاستعداد الفطري والثقافي والبيئي التنشئوي" (وحتى البيولوجي: وعليه فإننا لا نرفض ولا نعمم في نفس الوقت نظرية لمبروزو حول الإجرام)،تمثل المشتلة التي تنمو في تربتها كل الأشكال السلوكية الفردية والجماعية ذات المنحى العنيف التي نطلق عليها عادة نعت " الخشونة" (أو بالعربية الممزغة " تاخشانت")، والتي تأخذ مصدرها من "خشونة العيش" وشظفه ( " اخشوشنوا، فإن الحضارة لا تدوم" : الحديث النبوي)، المعارض لمفهوم " التحضر" ، فهو نعت يستمد منحاه الدلالي من نمط إنتاج فلاحي رعوي وانتماء فضائي بدوي، خلافا لنمط الإنتاج السلعي المالي والحرفي المديني.
هناك إذن ما أسميه" بالاستعداد السيكو اجتماعي لمختلف أشكال العنف أبسطه رمزي سلوكي طباعي وأعتاه جسدي عدواني إجرامي.
"فالعدوانية" ، هي أعلى درجات العنف وليست العنف في حد ذاته!، يبقى أن نحدد مكونات العنف الرمزي الذي يمثل قاعدة انطلاق العنف المادي،ونرجعه إلى "الأنانية" الدفاعية الموجودة أولا لدى الكائن البشري بشكل فطري غريزي(بشرا كان أم آدميا.. مع الفرق اللغوي) بأشكال متفاوتة حسب قوة التحكم والسيطرة والردع الذاتية أو الموضوعية (النفس اللوامة، الضمير الجمعي والقانون ).
1/ كمياء الثقافة أو التركيبة الثقافية للمجتمع الجزائري.

قطعا، لا يمكن تقديم " وصفة" دقيقة ولا تشخيصا صارما لمسألة "الخلطة" الاجتماعية والتركيبة الثقافية للمجتمع الجزائري. فالمسألة ليست مسألة " طبخة" ومقادير أو عينة تشريحية من جسد، وتحاليل محددة بظروف مخبرية، ذلك أننا نفتقد إلى كثير من العناصر المشكلة للبنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، وعليه سوف نتخذ من العنصر الثقافي اللغوي الألسني دعامة لرسم خريطة ثقافية مصغرة للمجتمع الجزائري والذي من شأنه أن
يوضح لنا فيما بعد دوافع طرحنا لفرضية البيئة السوسيو ـ اقتصادية كمحفز أو ككابح لنزعة العنف السلوكي، قبل سلوك مسلك العنف، أي " امتهان" العنف المادي.
المجتمع الجزائري بمختلف انتماءاته العرقية (عربية,بربرية,إفريقية,أوربية,متوسطية) مجتمع في غالبيته ذي طابع فلاحي رعوي فيما خلا بعض الجيوب الحضرية المتأصلة في المدينة الموروثة عن تاريخ طويل يمتد عبر أكثر من ألف عام :تلمسان,العاصمة،بجاية،ندرومة قسنطينة،مستغانم.. لاسيما على طول الساحل وبعض "الجزر" الداخلية .يتعلق الأمر بتلك الحواضر و المدن التي أنشأها إما الوافدون الأوائل أيام الفتوحات أو تلك التي شيدت أو اتسعت بعد سقوط الأندلس . أما الجنوب فيمكن اعتبار بعض القصور الصحراوية "مدنا" حضرية مزدوجة الوظيفة :حضرية, صحراوية,تعتمد على نمط الإنتاج المهجن (فلاحي،رعوي،تجاري حرفي) وهو النموذج الأقرب إلى المدن والحواضر العربية بعد الإسلام في شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين و بلاد الشام.
من خلال هذا الرسم يمكن تمييز ثلاثة ممرات طبيعية :الممر التلي وفيه يتمركز غالبية السكان الجزائريين (من 100 إلى أزيد من 300 ساكن في الكيلومتر المربع الواحد وذلك حسب إحصائيات 1977...) وتتميز بسيطرة نموذجين اقتصاديين: فلاحي وصناعي تجاري،حيث تتواجد أكبر المدن والتجمعات السكانية الحضرية. في الوسط ، يمكن تمييز ممر الهضاب العليا الذي يمتاز بغطاء نباتي حيواني جد مهم، مما يؤهله لخلق خط رعوي ترحالي ونصف ترحالي (رعوي فلاحي)، مع بعض التجمعات السكانية الحضرية الريفية (بكثافة سكانية تقدر بـ 10 إلى 50 ساكن في الكيلومتر المتربع )،والتي تعتمد على ثلاثة أنماط اقتصادية:النمط الرعوي الخاص، النمط الرعوي الفلاحي، النمط الفلاحي ـ التجاري أو الرعوي ـ التجاريالممر الثالث هو الممر الجنوبي الصحراوي، حيث خط الرمل والنخيل والواحات الصحراوية والتي تعتمد على نمط هجين : فلاحي رعوي ـ تجاري ـ حرفي بكثافة سكانية ضعيفة تقدر بأقل من 10 سكان في الكيلومتر المربع الواحد.
في الغالب، يبدو أن النمط الرعوي الفلاحي هو السائد ومعه سوف تسود الطبائع الرعوية الفلاحية ومختلف الأشكال السلوكية الثقافية الفردية والجماعية عربية كانت أم بربرية. فالمجتمع البربري القديم، حسب طروحات بن خلدون ومعه إبن قتيبة، تميز بين فصيلين (فرعين) أو فخذين أساسيين تكون منها المجتمع البربري: الفخذ الرعوي (البتر) والفخذ الزراعي (البرانس). انتشرت المجموعة الأولى في السهوب والهضاب العليا (زناتة وفروعها..) فيما استقرت الفرقة الثانية بالمناطق الساحلية والمرتفعات الجبلية (القبائل الكبرى والصغرى).

2/ إذا عربت المدن، خربت المدنية.
يؤدي بنا ما سبق إلى طرح فكرة " التعريب" التي تحدث عنها بن خلدون والتي أصبحت تحمل دلالة أخرى خارجة عن سياقها التاريخي والمعرفي:"إذا عربت، خربت"!
"التعريب" الذي نتحدث عنه هنا هو ذلك الحراك الاجتماعي الثقافي الذي حدث خلال القرنين الـ 11 و12 الميلاديين، إثر نزوح تلك الأعداد الهائلة من القبائل العربية الضاعنة: بنو سليم، بنو هلال، الأثبج، المعاقيل...باتجاه "إفريقية الخضراء".
المؤرخون والرحالة الجغرافيون، يختلفون حول تعدادهم، لكنهم لا يختلفون كثيرا في عدَتهم وفي طريقة انتشارهم (1) وحجم التسلح الذي كان مرافقا لهذا الانتشار (حتى أن بن خلدون وصف طريقة انتشارهم بالصيغة القرآنية ليوم البعث "كأنهم الجراد المنتشر"). هذه الأعداد الهائلة من قوافل الأعراب، وهذا الحجم الأكبر من نوعه باتجاه الشمال الإفريقي، كان من شأنه أن غير الطبيعة الديمغرافية والثقافية واللغوية وحتى الاقتصادية لشمال إفريقيا بشكل عام والجزائر بشكل خاص بسبب شساعة منطقة الهضاب، وبالتالي على السلوك العام والممارسات الأنثروبولوجية.
هذه القبائل (الأعراب)، سيكون لها دور تشكيل البنية الثقافية واللغوية في الشمال الافريقي وحتى في بعض دول الساحل الإفريقي . كما سيكون لها الأثر الفعال في نقل الممارسات والسلوكات الفردية والجماعية إلى المجتمع البربري، لا سيما القبائل الزناتية الضاعنة في السهوب:" الشاوية".
حاليا، ما يدل على ثقل التأثير الثقافي واللغوي لهذه القبائل على مختلف مناطق وسكان الجزائر، سيطرة اللغة العامية الخاصة بهذه القبائل. يتجلى ذلك في بعض مخارج الحروف اللهاتية والحلقية واللمفوية الخشنة والمصوتة مثل الجيم المفخمة (الجيم المصرية)، والتي هي من خصائص لغة البدو والأعراب. (بعض الحواضر وبعض الجيوب اللغوية المدينية ، فلتت من حجم التأثير المباشر للغة الأعراب كلهجة أهل تلمسان، ندرومة، فاس العاصمة..ولهجة بعض ــــــــــــــــــــــ
(1) يقدم المؤرخون أرقاما متفاوتة تتراوح ما بن 300 ألف إلى مليون وإلى "نصف سكان شبه الجزيرة". ينظر
A.. Benachenhou :Connaissance du Maghreb.Ed de l’ANP/Alger .1971.P :79-80




المناطق ذات التواجد الخصوصي:يهود المغرب وتونس والجزائر قبل الاستقلال، ولهجات الغزوات وجيجل، وبالطبع اللهجات البربرية..).
هذه القبائل الناجعة والنازحة ، بهذا الحجم ،كان لها التأثير الحاسم في " تعريب" الشمال الإفريقي بشكل عام، لا سيما الجزائر: تعريب سوسيوـ أنثروبولوجي و"تعريب" ثقافي ـ لغوي، وهذا بعد أن اكتفى الفاتحون المسلمون بـ " أسلمة" المجتمع المغاربي دون التمكن من تعريبه ثقافيا ولغويا..
هكذا كانت هذه القبائل وراء " تعريب " شبه كامل للشمال الإفريقي، ولكنها أيضا كانت وراء عملية "تخشين" المجتمع و "تبديته" (من.. البادية..)، والذي كان جزء منه مهيأ قبليا: (المجتمع الرعوي البربري من شاوية زناتة، مثلا) ..فالغلظة و الخشونة في القول والعمل من طباع الأعراب.! الأعرابي لا يتمدن بسهولة، فهو مضاد للمدنية بالطبيعة!..فالمدنية والعمران ضد طبيعة تكوينه النفسي والاجتماعي .. وضد نزوعه الاقتصادي الترحالي..واستقلاليته. وعليه، طرح بن خلدون مقولته "إذا عربت، خربت"، في إشارة إلى تدمير وتخريب بني سليم لمدينة القيروان!
الأعراب، ليسوا أهل مدنية، وخشونة اللفظ عندهم من مخارج الحروف (الصوت المرتفع والحركات اللفظة الخشنة والغلظة في التعبير والحركات التعبيرية العنيفة .كما أن السلوك الخشن هو تعبير عن رد فعل ضد المساس بما يعتبر " أنفة وكرامة" (منها المطالبة والعمل على
الأخذ بالثأر مهما كلف ذلك من ثمن) (*)
هذا من جهة،من جهة أخرى، كان العامل التاريخي في عهد الدولة الموحدية والدويلات الثلاث التي عادة ما كانت تنتهي بها أو تتخلل فترات من الحروب بين الاخوة الأعداء من تونس والجزائر والمغرب إثر التحالفات السياسية الظرفية لهذه القبائل مع أمراء الدويلات تماما مثل ما حدث مع هذه القبائل في شبه الجزيرة في تحالفات مع القرامطة واقتصاص الدولة الفاطمية منها بإبعادها إلى إفريقيا الخضراء للتخلص من "شغبها" الدائم
ـــــــــــــــــ
(*) في نادرة تروى أن أعرابيا سئل: هل يسرك أن لا تأخذ الثأر والعار "؟ أجاب: يسرني أن آخذ الثأر والعار وأدخل مع فرعون النار!

كانت تنتهي بعمليات تهجير وتوطين لهذه القبائل،مما جعل عمليات التشتيت هذه تسرع من وتيرة انتشار هذه القابائل عبر كامل مناطق وبلدان المغرب العربي والجزائر بشكل أساسي.
3/الهجرات، النزوح والمدينة المتبدية

عامل التهجير والتوطين السياسي لهذه القبائل في تاريخ الجزائر كان وراء توحيد نمطية الجزائر وتوحيد سلوكها الذي تميز بالرفض والغلطة وخشونة المعاملة والكلام والطباع (حتى هذه الذهنية صارت الطاغية وصارت ترى في "المديني" ذلك الرقيق المتحضر المتحدث بصوت واطئ "جبانا" وقليل الشجاعة والإقدام :نموذج نظرة لسكان الغزوات إلى سكان ندرومة مثلا و سكان المناطق الريفية التلمسانية أي أهل تلمسان الحضر ..!
هذا الاستعداد الثقافي التاريخي،قد تنضاف إليه عوامل أخرى في تأجيج دواعي العنف وامتشاقه كأول وسيلة وليست آخرها لحل الخلافات.
من بين العوامل التي ساعدت على انتشار العنف عندنا هي الهجرة الداخلية أو ما يسمى بالهجرة الريفية خلال مختلف الحقب التاريخية: أثناء الاحتلال من خلال نشوء الأحياء العربية على هامش الأنوية العمرانية الأوروبية، ثم بعد الاستقلال مباشرة إثر شغل الأملاك
الشاغرة التابعة المعمرين الأوروبيين والتي بنوها لأنفسهم بأنفسهم على مقاس أنفسهم،وانتهاء بالهجرة التي عرفتها البلاد خلال العشرية الأخيرة الناجمة عن تدهور الحالة الأمنية في الريف، مما جعل المدن المريفة أصلا تزداد كثافة وتناقضا، ساهم في هذا الوضع ، التحولات الاقتصادية والاجتماعية من جراء المرور السريع إلى اقتصاد الاستهلاك السريع و"الفوضوي المنظم"!
نتائج ذلك،تمثلت ترييف المدينة الأوروبية والحضرية وبشكل مواز لذلك، "تمدين الريف.. بطريقة ريفية"!،مما جعل الحواضر والتجمعات السكانية في الجزائر،لا تختلف كثيرا إلا من حيث الحجم والعنوان الإداري!
ما شهدته الجزائر خلال العقد الأخير، كان عاملا قويا في دفع التناقضات المتراكمة إلى حد التصادم عوض التعايش الذي بقيت تحت سلطته لعقود. فقد أدى "النزوح اللجوئي"،إلى تفجير التناقضات المستعدة أصلا للانفجار..أقصد بها الاستعدادات الفطرية التراكمية الثقافية، مع الاستعداد المكتسب (الظروف المعيشية الاجتماعية والاقتصادية..)، الذي تحول خلال العقد الأخير إلى عنصر "صاعق" في تفجير اللغم الموقوت.
ويمكن أن نلخص هذا الصاعق في ثلاث خيوط تتحكم في التفجير:الخيط الأول (الخيط الأحمر)، ويتمثل في انهيار المستوى المعيشي الناتج عن البطالة الناجمة بدورها عن التسريح الشامل والممنهج لآلاف العمال إثر دخول البلاد تحت ضغوطات صندوق النقد وعمليات الخصخصة والانفتاح الاستهلاكي باتجاه الأسواق العالمية . الخيط الثاني (الخيط الأزرق)، ويتمثل في الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد إثر الدخول في التعددية السياسية وما نتج عنها من بروز لخلافات وصراعات ظلت موءودة طيلة ثلاث عقود: الأصولية الدينية، الأصولية الديمقراطية،والأصولية اليسارية مع أصوليات جديدة تمثلت في "الأصولية الوصولية"، الفئة السياسية والاجتماعية المستفيدة من التحولات الاقتصادية. الخيط الثالث (الخيط الأصفر) هذا الخيط مرتبط بالخيط الثاني ارتباطا وظيفيا (الوظيفة السياسية المضادة للتدين السياسي، أدت إلى انتهج سلوك سياسي مؤداه "تدنيس" الأخلاق لأغراض سياسية إيديولوجية(*). الخيط الأحمر يرتب بالثاني ارتباطا عضويا، ويرتبط بالخيط الأول ارتباطا سببيا، بحيث يبدو الخيط الأخير وكأنه نتيجة وليس سببا، ويتمثل في العامل الأخلاقي وانتشار الممارسات غير الأخلاقية (الرشوة، المحسوبية، الدعارة..)
بالنتيجة،هذا الهجرة اللجوئية الأخيرة، حولت كثيرا من سكان المدن الجدد إلى لاجئين اجتماعيين،محدثة اضطرابا في البنية الاجتماعية المضطربة أصلا وكذا في البنية الاقتصادية، مما حول بعض الأحياء الجديدة المبنية على محيط وأحواز المدن إلى "دواوير قبلية"،ملقمة إلى محيط المركز العمراني، تمارس فيها وبها كل أشكال البحث عن الاندماج بشكل سريع وغير عقلاني.
رد الفعل لدى السكان القدماء نسبيا (أولاد البلاد)، لا سيما الشباب غير المستفيد من هذه الوضعية،كان حادا في كثير من الأحيان:القفز إلى حدود الاعتداء على المستفيدين الجدد وأصحاب "ثقافة المظهر" (سرقة السيارات، الهواتف المحمولة...). ليس هناك هدف محدد سلفا لدى هؤلاء..المهم النتيجة..والوسيلة.. الاعتداء والسطو..
العنف ليس بالضرورة عنف مسلح،هذا الأخير هو في نظرنا "أعلى مراحل العنف" وآخر درجة في سلم العنف السلوكي اليومي..
وعليه،ينبغي أن نؤكد أن العنف هو نتاج تنشئة أسرية من جهة وتكفل اجتماعي (prise en charge sociale)،أساسهما " العدل" والتوزيع العادل للدخل والحظوظ الاجتماعية المبنية على سيادة الفرد في المجتمع،لا على إذابته مطلقا في الاجتماعي شأن الأنظمة الشمولية،أو سلبه شخصيته من خلال فردنة الإنسان وتشييئه ، كما هو الحال في الأنظمة الرأسمالية،من شأن هذا العمل أن يلين الطباع ويرقي الشعور الاجتماعي لدى الأفراد باتجاه تحمل الآخر ولو كان مختلفا وقبول الآخر ولو كان مغايرا..
ــــــــــــــــــ
(*) انتشار محلات بيع الخمور مثلا كان بقرارات إدارية بهدف سياسي:مواجهة التهديدات الإسلاموية والوقوف في وجهها بشكل تحدي!

نساء محمد..نساء النبي
قراءة في أنثروبولوجيا"المعاشرة النبوية"

د.عمار يزلي
كلية العلوم الاجتماعية
جامعة وهران




البحث عن مدخل للعلاقة الزوجية والمعاشرة النبوية لدى الرسول والنبي محمد،وعن علاقة الإنساني بالغيبي، في هذه الثنائية ـ الزوجية،مسألة تتطلب في حد ذاتها ضرورة فك العقدة الصعبة والإشكالية الأنطولوجية:النبوة والبشرية..الثابت والمتحول..الظاهر والباطن!..وعليه، فإننا ننزع إلى ربط ما هو موضوعي، بشري محدد تاريخيا، بما هو "ذاتي متعال" غير محدد زمانيا ومكانيا رغم أن محاولتنا هذه لا تندرج كلية في هذا السياق، بل تعمد بشكل عرضي على ربط "المعقول" بـ "المنقول"، أي ربط الذات البشرية للنبي محمد مع الذات الزوجية لدى زوجاته: "أمهات المؤمنين"، لمحاولة معرفة أسس " سيرة المعاشرة"، باعتبارها سنة بشريةـ نبوية،أي المثل الأعلى، والمعاشرة المثلى لنبي بشر..
النبي محمد هو بشر وذات موضوعية:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"(آل عمران/3)،ولم يكن يوما يفصل أو يربط بين الشخصين ترابطا متزامنا،أو فصلا صارما،بل إنه كان يقول أنه "بشر " أكثر من كونه نبيا ورسولا:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا"(الإسراء/77).الزمني (المتحول) كان الغالب في حياته،أما الثابت، فكان الاستثناء، ولعل هذا ما ترك الكثيرين، لا سيما بعد القرنين الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما (العهد الفاطمي خاصة)،يحاول أن يقرب بين الشخصين لجعل من الحالتين أو الموقعين حالة واحدة وموقع واحد! حالة ثابتة دائمة مرتكزة على "القدسي"، أي على "الثابت".
يمكن تأكيد أن "العصمة" شيئ والفطرة البشرية شيئ آخر..بل أن الثانية تحدد الأولى..وعلى هذا الأساس يمكن تفسير تعامل صحابته معه بكثير من "الموضوعية الذاتية"، لا سيما من طرف عمر بن الخطاب، الصحابي والخليفة فيما بعد(*).فحالات الوحي، كانت استثنائية،وباقي أحوال الرسول البشرية كانت القاعدة، مع قدر كبير من التكوين والتنشئة الخلقية التي أهلته للرقي والترفع عن الكبائر كما عن "الصغائر"..لكونه بشرا تقيا أكثر من كونه نبيا معصوما!
هكذا، كان زواج محمد من خديجة بنت خويلد :زواجا بشريا، رغم أننا لا ننكر بأنه كان موجها بعناية ميتافيزيقية غير بشرية.وعليه، أنبنت الفرضية الأكثر شيوعا ـ شيوع انتشار "المادية البشرية" ـ في هذه الزيجة غير المتكافئة ظاهريا: شاب فقير، وأرملة لمرتين فارق السن بينهما نحو 15 سنة (25 سنة مقابل 40 )، والتي اعتمدها مارجيليوت على أساس أن الزيجة كانت وراءها "مصلحة مادية" و"انتقاما لمحمد من عمه أبي طالب بعد أن خطب إليه ابنته "أم هانئ" فرده لفقره وزوجها لذي مال" (1)، حيث يلوح "موير" ضمن هذه الفرضية أن زواج محمد من خديجة ووفاؤه لها لمدة 15 سنة،إلى أن توفيت، إنما كان تهيبا لمركزها المالي والاجتماعي وخوفا من أن تطالبه بالطلاق. هذه الفرضية فيما يبدو لا تصمد أمام وفاء محمد لخديجة طيلة حياته بعد وفاتها ونهره لعائشة:"..والله ما أبدلني خيرا منها..آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء"(**).
ـــــــــــــــــ
(*) يمكن ذكر بعض الحوادث المتعلقة بتأبير النخيل، حيث أمر الرسول بتأبير النخيل رغم معارضة البعض بدعوى أنه ليس وقته، فلم يعط النخيل الثمار المرجوة، مما جعله يقول:" أنتم أدرى بأمور دنياكم". كما يمكن ذكر معارضة البعض من صحابته لبعض أوامر وقراراته كونهم كانوا يرون فيها أوامر بشرية وليست أوامر من السماء (صلح الحديبية مثلا ورفض حلق الشعر والنحر) وأزمة حرب الأحزاب وحادثة" الإفك" والتي عادة ما كانت تحسم هذه المواقف بوحي إلهي.
(1) طبقات إبن سعد ـ السمط الثمين/ص:134
(**) جاء ذلك إثر زيارة " هالة" أخت خديجة بيت الرسول بالمدينة، فلما سمع صوتها في الفناء، وكان يشبه صوت خديجة هتف: " اللهم هالة!"، فلم تتمالك عائشة وقالت:" ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر أبدلك الله خيرا منها".

خديجة إذن، شكلت شيئا آخر غير " الأمن المالي" ،الذي وإن كان يشكل جزءا من حالة القبول،إنما لم يكن الشيئ كله.الجانب النفسي المرتبط بعقدة اليتم وفقدان حنان الأمومة منذ السادسة، كان له وقعه الأكبر.إيميل درمنغهم، كان أحد الذين رجحوا لهذه الفرضية جنبا إلى جنب مع " بلاشير" في كتابه:le problème de Mohamed (1)،والذي يغوص في سلوك خديجة مع محمد والعكس صحيح، حيث يرجحا لهذه الفرضية:فلقد كان محمد يحس بالدفء والحنان في أحضان خديجة،ويوم "ليلة القدر"، يوضح هذا الميل. فهذه عائشة بنت الشاطئ تصف اللحظة بهذا الشكل:" وضمته (خديجة) إلى صدرها وقد أثار مرآه أعمق عواطف الأمومة في قلبها وهتفت في ثقة ويقين:الله يرعانا يا أبا القاسم،أبشر يا بن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". وتمضي بنت الشاطئ تصف هذه اللحظة، مركزة على هذه الميل:"..وأحس بالراحة والطمأنينة تقوده في رفق إلى فراشه، فتضعه فيه كما تفعل أم بولدها"(2).
خديجة، شكلت إذن ملاذا آمنا للنبي الفقير اليتيم. هذا الملاذ الحاسم كان وراء تشكل بناء عاطفي جديد لدى النبي بعد الأربعين، خصوصا ..عائشة!
1/ الزوجة الوحيدة وتعدد الزوجات.
طرح فرضية مرجيليوت وموير على أساس أن "زواج المصلحة أو الهيبة" كان وراء زواج محمد من خديجة ووراء مونوغاميا الزواج عنده، يبدو يرتكز أكثر على واقعية المجتمع العربي منه على واقعية الحالات الخاصة، أي على القاعدة وليس على الاستثناء،وهو أمر مقبول لو أن المعادلة أخذت معيارا لقياس هذه الممارسة في مواضيع أخرى، منها تعدد الزوجات وزواجه من عائشة بنت الست سنوات!! وهو أمر كان شائعا ضمن هذه الواقعية الاجتماعية العربية، وليس استثناء نبويا..فحالات أخرى توردها السير، عرفها المجتمع القريشي المقرب:فعائشة كانت مخطوبة قبل
ـــــــــــــــــ
(1)ينظر:عائشة عبد الرحمن: نساء النبي . دار الكتاب العربي. بيروت 1979
(2)نفس المرجع. ص: 46


خطبة النبي لها، ولم يحسم أبو بكر أمره من المسألة قبل أن يأتيه أمر خلع الخطوبة من والدي الخطيب " جبير بن مطعم بن عدي" (مخافة أن "يصبأ" ابنهم إذا ما تزوج من هذه " الصابئة").فلقد كان الزواج من "طفلة" في مرتبة الإبنة أمرا معروفا وشائعا . البيئة الاجتماعية والمناخ الصحراوي الحار كان وراء نضج الفتاة المبكر، نضوجا جسديا أساسا، من حيث قوة البنية الجسمية،لا من حيث التركيبة العقلية والنفسية. فلقد تزوج عبد المطلب الشيخ من "هالة" بنت عم "آمنة بنت وهب" (أم النبي محمد)، وسيتزوج عمر بن الخطاب من بنت علي بن أبي طالب وهو في سن فوق سن أبيها، ويعرض عمر على أبي بكر أن يتزوج ابنته حفصة وبينهما من فارق السن مثل الذي بين الرسول وعائشة(1).
وإذا كان زواج النبي من خديجة،قد تم بواسطة صديقة خديجة "نفيسة بنت منية"، برغبة من الأولى وحرص من الثانية،وجواب النبي لها المتحفظ :: ما بيدي ما أتزوج به"، فإن زواجه الثاني والثالث ـ كون الخطبة كانت ثنائية في نفس الوقت ـ كان بعد ثلاث سنوات من الترمل النبوي، منها "عام الحزن" ـ كما أسمى السنة التي تلت وفاة خديجةـ ،فإن الزيجتين التاليتين كانتا أيضا من خلال واسطة:"خولة بنت حكيم السلمية"،التي ستعرض عليه أن يتزوج، فيجيبها:"من..بعد خديجة؟!".جواب الوسيطة كان حاضرا ومفكرا فيه بل وشبه محسوم مسبقا، رغم أن النبي لم يقتنع بعائشة لصغر سنها:"لكنها لا تزال صغيرة ياخولة!",والجواب كان ـ كما تذكر بنت الشاطئ نقلا عن الطبري:تخطبها اليوم إلى أبيها ثم تنتظر حتى تنضج"(2).
وعليه، كان اقتراحها أن يعمد النبي إلى زيجة "وظيفية"..زوجة مربية أطفال:"سودة بنت زمعة"(*)، التي ستحتل البيت الأول من البيوت التسعة المشيدة على مقربة من المسجد النبوي بالمدينة بعد نحو ثلاثة أشهر من هجرته من مكة. هذه "الزوجةـ المنفعة"،التي سرعان ما تشعر بأنها لم تعد تحتل مكانا في قلب محمد الزوج البشر،ويشعر بها هو الآخر فيقرر أن يسرحها لكي
ــــــــــــــــ
(1) نفسه: ص: 75
(2) نفس المرجع السابق. ص: 59
(*) معلوم أن " سودة بنت زمعة" كانت امرأة بدينة غي رذي جمال: بدوبة عامرية من المسلمات الأوليات المهاجرات إلى الحبشة أرملة المهاجر"السكران بن عمرو بن عبد شمس" اللذين هاجرا رفقة ستة آخرين من نفس العائلة.
لا يقهرها ببشريته التي لا يمكنه أن يتخلص منها عندما قال:"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك!"، وتقر هي استجداءه لكي يبقي عليها في بيته دون أن تطالبه بحق المتعة الزوجية، بل وتهب ليلتها لعائشة!:"ابقني يا رسول الله وأهب ليلتي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء" أو بعبارة أخرى:"أمسكني ووالله ما بي على الزواج من حرص ولكني أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجا لك"(1).
زواج النبي بعد أشهر قليلة من عائشة بالمدينة، كان يمثل فارق السن الثاني بين الزوجين: من "الإبن ـ الأم" إلى "الأب ـ الزوج". زواجه هذا من بنت أبي بكر، كان، أول زواج له من "بكر"!،وباقي الزيجات الأخرى كانت من ثيبات، البعض لم يدخل بهن ـ حتى أن كتب السيرة تختلف بشأن عددهن ـ والبعض ممن " وهبن أنفسهن للنبي"، والبعض الآخر ممن عرضن عليه الزواج ولم يتزوجهن.
زواج النبي المتعدد والمتنوع، لم يكن وليد رغبة بشرية فحسب بل وليد مطلب سياسي عقائدي، إذ أنه من المعلوم أن التحالفات العربية كانت تتم عادة عن طريق المصاهرة والتقاطع الدموي. ولعل هذا ما يفسر تعدد الزوجات لديه بعد الهجرة، لا سيما بعد فتح مكة، واتساع دائرة الفتوحات.
فلقد بدأ "التحالف" مع خاصته الخاصة، أي الصحابة:يتزوج عائشة بنت أبي بكر، ثم "حبيبة بنت أبي سفيان" ثم "حفصة" بنت عمر بن الخطاب، فيما سيزوج ابنته فاطمة الزهراء لابن عمه علي بن أبي طالب،وابنتيه رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان ‍‍‍!..بعدها ستحدث زيجات أخرى من نوع آخر:زواج "الرحمة"،والتحالف الرمزي مع يهود بني النظير حين اختار النبي أن يقترن "بصفية بنت حيي" عقيلة بني النظير(*)، إثر نكبة الحصن. أعقبت ذلك زيجات "شفقة" أحيانا كما حدث مع "زينب بنت خزيمة" (أم المساكين)، بعد أن قتل زوجها في بدر، والتي اعتبر بعض المؤرخين على اختلاف مشاربهم وتباين مواقفهم هذه الزيجة، زيجة شكلية، شفقة بالأرملة، والتي
ـــــــــــــــ
(1) نفسه. ص: 66
(*) تذكر المصادر أن النبي لما دخل خيبر، جيئ بصفية وكانت تبلغ 17 سنة من عمرها، ولكن رغم سنها، فإنها تزوجت مرتين: الأولى بفارس وشاعر بني النظير " سلام بن مشكم" والثانية " بكنانة بن الربيع إبن أبي الحقيق" صاحب حصن " القموص" أعز حصن في خيبر. جيئ بها وهي لا تقوى على الصراخ من فرط هول ما أصاب ذويها وقومها، على العكس من ابنة عم لها كانت تصرخ وتحثو التراب على رأسها، مما جعل النبي ينفر منها: "اغربوا عني هذه الشيطانة!"، فيما رد على بلال الذي جاء بالمرأتين:" أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟!"
ينظر: تاريخ الطبري: طبعة الحسنية. القاهرة.ج/ 3 ص: 94، وأيضا سيرة بن هشام . دار الحلبي. ج/3. ..1936 ص:350
لم تعمر إلا بضعة أشهر في بيت النبي،قبل أن تتوفى، مما جعل صفية لا تبالي بها كضرة من بعدها.(1) .
زيجات أخرى تمت برغبة من زوجاته اللآئي يدرجن ضمن "الراغبات" في الزواج منه، بل والمصرات على ذلك:"زينب بنت جحش" المخزومية الجميلة التي زوجها لمولاه " زيد بن الحارثة"، والتي لم ترض بغير الرسول زوجا لها،مما دفعها إلى ممارسة الغواية الأنثوية لجلب قلب النبي العازف عنها، مع تشددها في التمنع لزوجها، رغبة منها في أن يسرحها. ولعل هذا ما دفع بها لأن تقول متفاخرة على باقي أزواج النبي:" يا رسول الله ما أنا كإحدى نسائك، ليست امرأة منهن إلا زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها،غيري زوجنيك الله من السماء!"(*)، ذلك أن ثقتها بنفسها وبجمالها وحسبها ونسبها جعلها ترفض من كان يقول له:"أمسك عليك زوجك واتق الله"،لصالح من صار بعد حادث بيت زيد يقول :"سبحان مقلب القلوب" .
2/ كيد النساء أو أنثروبولوجيا الغيرة

الغيرة الزوجية التي مبعثها تلك النزعة المركزية الذاتية في أنا الفرد والجماعة:ذكورا كانوا أم إناثا، لا يمكن إلغاؤها أو تحييدها ضمن حياة النبي الزوجية التعددية، لا سيما مع توسع "الفضاءات المركزية" المرسومة بعد الهجرة. فالزوج الذكر،كان دائما يشكل المركز، فيما تمثل الزوجة أو الأزواج "المحيط"، أو الأطراف. نجد هذا حتى في قطيع الحيوانات وقطيع الأغنام والجمال...فالذكر هو الفحل ..حامي الحمى (Le territoire) والمجموعة الأنثوية (إناث الذكور). وعليه،كان اسم الزوجة مقرونا "بالجماعة الفضائية": " الأهل"..(**) أو كما هو مشاع
ـــــــــــــ
(1) عائشة عبد الرحمن: نساء النبي .سبق ذكره.ص:133
(*) موضوع سب نزول الآية:" فلما قضي زيد منها وطرا زوجناكها لكي لايكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا.."(الأحزاب/33)
(**) تروي عائشة زواجها من النبي:"جاء رسول الله إلى بيتنا فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء ، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين غدقين، فأنزلتني ثم سوت شعري ومسحت وجهي بشيئ من ماء ثم أقبلت تقودني حتى إذ كنت عند الباب وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي ثم أدخلتني ورسول الله جالس على سرير في بيتنا، فأجلسني في حجره وقالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك"ينظر: عائشة عبد الرحمن.نساء النبي.ص:88

عندنا :الدار أو الخيمة..وهي عبارة مختصرة لعبارة أخرى :"مولاة الدار" أو "مولاة الخيمة"..أي صاحبة الدار أو صاحبة الخيمة،التي تفيد إخفاء الهوية الفردية للزوجة (اسمها) لصالح فضاء مادي ـ رمزي.
هكذا كان تقبل الضرة أمرا عاديا، بل وقاعدة، حيث كان الاستثناء هو الزوجة الوحيدة! فقد كلن عدد الزوجات يصل قبل الإسلام إلى العشرة، وبقدر ما كثر عدد الزوجات، كثر الإنجاب، لا سيما الذكور..المعول عليهم في كل الأعمال والممارسات خارج "حمى الأهل"، من حروب وتجارة وصيد،وما إلى ذلك من الأنشطة الذكورية. أما الإناث، فكن لا يشكلن حرصا كبيرا، بل العكس هو الأصح، على عكس الشيئ مع القطيع الحيواني.المسألة تتعلق إذن بمدى استفادة الذكر من الإنجاب الذكوري!والأنثى لم تكن لدى المجتمع الجاهلي سوى مجرد آلة للسخرة وللسبي..ولهذا كان وأد البنات أمرا معروفا باعتبار أن الأنثى لا تجلب إلا العار والإفقار:عار السبي وإفقار القبيلة أو الأسرة لأنها ستمنح الأسرة أو القبيلة "الصهر"، خلفة جديدة وكثرة في النفر..وبالتالي في النفير(أي الحرب!).
على هذا الأساس، كان التفاخر بالمال والولد:"المال والبنون زينة الحياة الدنيا .."(الكهف/46)، والتي حاول الإسلام أن يقايضها بمبدأ آخر غير دنيوي:".. والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخر أملا" (الكهف/ 46)،حتى من خلال كثرة الموتى الدال على كثرة النسل من هذه القبيلة أو تلك:"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر.."(التكاثر/1 ـ 8 )، وتقديسهم لأنثى الحيوان التي تنجب بطونا توائم إناث متعاقبات: البحيرة، السائبة والوصيلة والحام مثلا (*)
هذا التقديس لأنثى الذكر وللفحل الذي يساهم في إنجاب الإناث،مرتبط بذهنية " التكاثر" الذي على خلاف الذهنية التجارية الربوية المبنية على "ذهنية التراكم" أو " الاكتناز" (والذين يكنزون
ــــــــــــــــــ
(*) "البحيرة" إبنة " السائبة" والسائبة الناقة إذا تابعت 12 إناثا ليس فيهن ذكر سيّبت، فم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا الضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى، شقت أذنها ثم خلي سبيلها وهي " البحيرة" مع أمها في الإبل، فم يركب ظهرها أيضا ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها. و"الوصيلة"،، الشاة إذا نتجت 10 إناث في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت " وصيلة". فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور بينهم دون إناثهم إلى أن يموت منها شيئ، فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم. أما الحامي، فهو الفحل إذا نتج 10 إناث متتابعات ليس فيهن ذكر، عندئد تحمى ظهره، ولا يجز وبره بل يخلى سبيله في الإبل يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ذلك.: ينظر: محمد سليم الحوت: في طريق الميثولوجيا عند العرب.مطبعة دار الكتاب.ط1 بيروت 1955 . ص: 104. بشأن ذلك نزلت الآية""ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام."(المائدة/ 103)
الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.."(التوبة/ 9)، جعل من هذا التقديس، ينبني على أسس عقائدية ذات منحى منفعي فلاحي رعوي، الأساس في عملية " التكاثر" هي الأنثى وليس الذكر. فالأنثى هي الوعاء الذي تتم فيه وبه عملية الإنتاج التكاثري أو ما يمكن أن نسميه بإعادة الإنتاج الذاتي!
ولعل هذا ما جعل المرأة تربط بالبيت عوض الانخراط في ممارسات خارج "فضاء الأهل" (الذي هو " أهل" لها..أي مناسب لها!)، لا سيما في مهام مثل الصيد أو الحرب، باعتبارها أنشطة هدامة للحياة، يخشى أن ينقرض فيه عنصر الأنثى في مجتمع ما، فتنقرض بذلك القبيلة. هذا ما يفسر في رأينا تعدد الزوجات. وإذا كنا لا نملك أرقاما عن نسبة الذكورة إلى الأنوثة في المجتمع العربي الجاهلي وما بعد البعثة المحمدية، فإن تعدد الزوجات لدى الذكر الواحد، وقياسا على ذهنية " التكاثر"، مرده إلى فارق الرقم الكبير بين الأنوثة والذكورة لصالح الفئة الأولى، الذي يكون من نتاج الحروب والغارات والغزوات بين القبائل.وعليه فإن ترجيح هذا السبب قد يكون ترجيحا منطقيا.
تعدد الزوجات لدى النبي محمد، إذن هو تحصيل حاصل، لا يخرج عن دائرة العرف العام والممارسات المألوفة قبل الإسلام وبعده مع فارق بسيط، هو أن الوحي حدد التعدد بأربعة كأقصى حد وبواحدة كحد أمثل حسب قدرة الرجل على شرطين أساسين لهذه التعددية الزوجية :العدل في اليتامى والعدل بين الزوجات!أي العدل في أمرين اثنتين: الأمر الموضوعي (الاجتماعي الاقتصادي)، والأمر الذاتي ( العاطفي الإنساني)، وعليه ربطت " أية التعدد بآية اليتم :" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى،فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاثى ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (النساء/3).
ولأن صفة النبوة ومهمة الرسالة كانت تقتضي الخروج عن هذا التحديد " البشري" العام إلى ما وراء الأربعة، فإن النبي محمد قد جمع من الزوجات أكثر من هذا العدد، دون الخروج عن الشرطين: العدل الذاتي والعدل الموضوعي.
ويمكن أن نرسم خريطة بيانية على هذا النحو وذلك لمحاولة فهم طبيعة المعاشرة النبوية لزوجاته ودرجت القرب والتقرب وأسبابها ودواعيها، انطلاقا من تشكل هوياتي مركزي أساسه " الغيرة" الزوجية، وحب التملك والانفراد بمركز الدائرة: النبي ـ الزوج!
فالنبي ـ الزوج، هو مركز دائرة التجاذبات والغيرة والمناوشات والتراشقات اللفظية والتغامز بين الأزواج ـ حتى في حضرة النبي أحيانا ـوحوله تدور مختلف " الكواكب" على تفاوت أحجامها وخصوصياتها وتكويناتها وتراكيبها النفسية والسلوكية والاجتماعية.
أولى الكواكب المقرب من مركز الدائرة، كان بالتأكيد كوكب " عطارد":..خديجة، التي بوفاتها تركت موقعا الفلكي لصالح عائشة دون أن تعوضها!!. في مرتبة "فينوس"، كانت " زينب بنت جحش"، تليها في المرتبة لا في التسلسل فيما نزعم أم سلمة، ثم مارية القبطية(أم ولده إبراهيم الذي توفي صبيا). تلي ذلك في مراتب قريبة من بعضها البعض:صفية بنت حيي عقيلة بني النظير،فحفصة بنت عمر بن الخطاب،فجويرية بنت الحارث الخزاعية ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فزينب بنت خزيمة الهلالية،ثم أخيرا " سودة بنت زمعة".
الإصرار الأكبر على الاحتفاظ بمكانة القرب من مركز دائرة الفلك النبوي، كان واضحا لدى عائشة أكثر من غيرها ـ والسبب واضح: الصبية الشقراء إبنة صديقه أبي بكر الصديق التي كان أول وآخر امرأة يتزوجا وهي بكر!). وعلى هذا الأساس كان عملها الدؤوب من أجل الاحتفاظ بهذه الحظوة باعتبارها "أحب نسائه إلى قلبه" (La préférée)، وهذا بالاعتماد على " مناورات" نسوية وتحالفات مصلحية مع من لا يشكلن تهديدا مباشرا وخطرا داهما عليها، لا سيما ضد المنافسة الأكبر لها: زينب بنت جحش بنت عمته (*)!هكذا نراها تعتمد على الحلقة الأكثر ضعفا في سلسلة الزوجات:سودة بنت زمعة، رفقة حليفتها في القرابة النخبوية : صفية بنت عمر، والتي لم تكن تخشاها وتوددت لها، لا سيما وأن النبي لم يكن يفضلها عليها!!(**)
ـــــــــــــــ
(*) تعترف عائشة أنه : " لم تكن واحدة من نساء النبي تناصبني غير زينب".
(**) نعتقد أن حظوة حفصة من النبي كانت بسبب موقع عمر منه. فقد روي عن عمر قوله لحفصة بعد مؤامرة "مارية في بيت صفية" ـ التي سيلي إيضاحها ـ :" تعلمين، إني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله، يا بنية، لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله إياها، والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ولولا أنا لطلقك!" .عائشة عبد الرحمن. نساء النبي. ص" 123



فسودة بنت زمعة،التي كان النبي أول من تزوجها بعد الهجرة في انتظار " نضوج عائشة"، لم تكن تشكل أي خطر، وهي أضمن وأأمن حليف لها:فهي لم تكن على قدر بسيط من الجمال : إمرأة مسنة بدوية ساذجة أحيانا ممتلئة، غالبا ما كان النبي يضحك من تمايلها في المشي. لكن هذا كله لم يكن كافيا لوحده لربط أواصر خيوط التحالف التبعي مع عائشة لولا أنها قررت أن تهب ليلتها الدائمة لعائشة مقابل أن يبقي النبي عليها كزوجة صورية. فهو تحالف استعمالي تبعي،تكتيكي لصالح عائشة، أكثر منه تحالف مصلحي استراتيجي مع حفصة.فكل من عائشة وحفصة من المقربات آباؤهن من النبي: صحابيان يمثلان دعامتين أساسيتين من دعائم دولة النبوة جنبا إلى جنب مع علي وعثمان الموطدة علاقتها بالنبي بالإضافة إلى صلة العقيدة الجديدة، بواسطة صلة المصاهرة. ولعل هذا ما يفسر التقارب والتوادد في مسألة " صواحب يوسف" (*) أو في " حادثة المغافير" (**) وبالطبع في حادثة مارية في بيت حفصة.
الغيرة وحب الاستئثار، الذي هو طبع فطري لدى المرأة، كما لدى الرجل، لم تكن عائشة وحدها منفرد بهذه الخاصية،بل كان لدى الأخريات أيضا، وأحيانا حتى قبل الزواج: يتعلق الأمر هنا خاصة "بأم سلمة بنت زاد الركب"، ذات العزة والجمال والغيرة ـ والتي قيل عن الرسول وقتها من طرف " مرجفي المدينة" ما قيل بشأن دفع النبي لزوجها " إبن عبد البر" ليستشهد في بدر ليتسنى له الزواج من أرملته من بعده!!ـ .هذه المرأة رفضت خطبة أبي بكر لها وكذا خطبة عمر بن الخطاب وقبلت بالنبي بعد تعذر مبطن بكبرياء أنثوي:" أنا غيَرى مسنة ذات عيال"،ليرد عليها النبي:" أما أنك مسنة فأنا أكبر منك وأما الغيرة فيذهبها الله وأما العيال فإلى الله ورسوله" (1).
ــــــــــــــ
(*) يتعلق الأمر بقرار النبي الزواج من " أسماء بنت النعمان الأسود الكندية الجونية"، حيث عمدت عائشة بغرض إزالة خطر منافسة الضرة الجديدة لجمال المرأة،إلى التحالف مع " حفصة وأخرى ممن يحرصن على إرضائها" (لم تذكر المصادر من هي ، لكن يمكن أن تكون " سودة بنت زمعة" التي أشركتها عائشة في مسألة " المغافير" التي سيأتي الحديث عنها لاحقا).اتفقت " التآمرات" على خطة موحدة وهي نصح العروس بالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عندما يدخل عليها الرسول. ففعلت، معتقدة أن ذلك يقربها من النبي أكثر، مما جعل النبي يصرف وجهه عنها مرددا" : لقد عذت بمعاذ" وغادرها من لحظته وأمر أن تمتّع وأن تلحق بأهلها ولم ينفع تدخل أبيها لإفهامه ما جرى ، واكتفى النبي بالتعليق باسما ": إنهن صواحب يوسف، وإن كيدهن لعظيم!" نفس المرجع.ص: 97
(**) اتفقت عائشة مع حفصة وسودة أن تسأل كل واحدة منهن النبي عن سر "رائحة المغافير" التي تخرج من فمه وهذا مباشرة بعد خروجه من عند " زينب بنت جحش"(والمغافير تمر حلو ذو رائحة كريهة)،وكان أن سألته آخر واحدة منهن " سودة" فأجابها:" سقتني زينب شربة عسل"، فعلقت بلهجة الخبيرة بمراعي البادية:" رعت نحله العرفط" (والعرفط الشجر الذي يثمر المغافير) ، فحرم النبي من ذلك اليوم شرب العسل عند زينب ..نفس المرجع. ص: 96
(1) نفسه. ص: 143
ولعلها تكون المرأة الوحيدة التي "اعترفت" بغيرتها القبلية لعزة لنفس لديها تقربا من مركز الدلال والعز والحظوة الزوجية النبوية.
أما عائشة فلم تطق مواراة غيرتها من الوافدة الجديدة، والحديث المروي عنها يؤكد ذلك:" لما تزوج رسول الله أم سلمة، حزنت حزنا شديدا لما ذكر لنا من جمالها،فتلطفت حتى رأيتها، فرأيت والله أضعاف ما وصفت به فذكرت ذلك لحفصة فقالت :" ماهي كما يقال"..وذكرت سنها..فرأيتها بعد ذلك، فكانت كما قالت حفصة ولكني كنت غيرى"(1).
فالبيت الزوجي النبوي كفضاء أسري تعددي كان يتضمن مواقف متعددة داخل الوحدة الواحدة،كان النبي هو البؤرة والقطب الذي تلف حوله، ومنها الخلافات الداخلية بين لأزواج وتحالفاتهن الظرفية ضد البعض منهن، لا سيما الزوجات الجديدات الجميلات وصغيرات السن اللواتي قد يكتسبن مؤهل الحظوة لدى الرسول ـ الزوج. نلاحظ ذلك حتى على مستوى تفاخر عائشة بأن معظم الوحي نزل على الرسول وهو في بيتها. كما تفتخر أم سلمة بنزول "آية الاعتراف بالذنب" في بيتها،أي في فضائها(2)، أو كما تصرح لصفية بضرورة " حماية زوجهما ونفسيهما" باعتبارهما أكثر قربا لدى الرسول:ابنتي لأبي بكر وعمر:"قد وضع يده (الرسول) في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنا"، ويتعلق الأمر "بأسماء بنت النعمان" التي أشرنا إليها في "حادثة التعوذ".
بشرية محمد ونبوته، كانتا إذن وراء تلك الثنائية الإشكالية في علاقة زوجاته به : فهو بالنسبة لهن " الزوج"، البشري الذي كان الناس ينادونه " يا محمد" وحتى " من وراء الحجرات" بصوت مرتفع، كما ينادي أي إنسان صديقه، قبل أن تنزل آيات سورة الحجرات (الحجرات/1 إلى 7 ). وعليه،فإن تناول موضوع "زوجات محمد" ضمن إطار " زوجات النبي"، هو ضرب من النسخ لبشرية النبي محمد الذي كان أكثر الأنبياء والرسل إلحاحا عليها، لما تغشى الأنبياء والرسل
ــــــــــــــ
(1)نفس المرجع.
(2)يتعلق الأمر بالآية:"وآخرون أعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم" ( التوبة/ 102 )، وهذا في حق " أبا لبابة المنذر الأنصاري" حين دعا بنو قريضة بعد أن تمكن منهم المسلمون وأجهدهم الحصار، إلى إرسال أبا لبابة للمفاوضة. فلما رأوه قام إليه الرجال وجهشت نساؤهم وصبيانهم بالبكاء، فرق قلبه وأجابهم بعد أن سألوه:" أترى أن ننزل على حكم محمد؟!"، فأجاب:" نعم إنه الذبح!".تقول الروايات أنه عرف حينها أنه خان الله ورسوله. فانطلق على وجهه وربط نفسه إلى عمود من عمد السجد وقال:" لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت". وبقي هكذا ست ليالي، كانت إمرأته تأتيه في أوقات الصلاة فتحله ثم تعود فيربط، إلى أن نزلت الآية في حقه ببيت أم سلمة. نقلا عن الطبري وسيرة ابن هشام. نفس المرجع. ص: 147
قبله، من بعد نهاية حقبهم من تقديس . والنموذج الأكثر إثارة هو موضوع المسيح، الذي اعتبر أن الزواج" وحدة روحية وجسدية"، و" ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان" (مرقص/6)، كما اعتبر أن تشريع موسى بإعطاء كتاب الطلاق للزوجة، منطلق مرده إلى قساوة قلوب أتباعه:" ولقساوة قلوبكم أجاز لكم موسى ـأن تطلقوا نساءكم وما كان الأمر في البدء هكذا، أما أنا فأقول لكم: من طلق امرأته إلا في حالة الزنى وتزوج غيرها زنى" (مرقص/ 8ـ9).
بشرية المسيح، كانت جلية وحديثه عن نفسه بعبارة " Le fils de l homme " ( ابن الإنسان)، تمثل تأكيدا منه لبشريته. غير أن بشريته هذه كانت مشوبة أكثر بالغيبي المثالي. ولعل هذا ما جعل مواقفه وتعاليمه أكثر مثالية من شرائع موسى الواقعية في مجال الأسرة والزواج. وباقي التشريعات الأخرى، خلافا لشريعة النبي التي تمثل الوسطية الاعتدالية التركيبية:" إن أبغض الحلال عند الله الطلاق" (الحديث).
من هذا المنظور، تبدو علاقة الرسول بأزواجه، علاقة بشرية موضوعية مبنية على واقعية العدل وتفهم الطبيعة الأنثوية:" المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" (الحديث).
ويبدو أن هذا ما جعل من آخر وصاياه يوم حجة الوداع يستوصي الناس خيرا بالنساء:" ألا استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك" (الحديث).
وعليه، فإن بيت زوجية النبي لم يكن يشكل فضاء "مقدسا"، كما يمكن وصفه أو استنتاجه من خلال المخيال الديني الذي ارتسم على مر السنين، بل فضاء " دنيويا نموذجيا" للبيت المتعدد الزوجات، حيث تحافظ " الهويات" الفطرية الأنثوية على خصوصياتها، لكن دون الوصول إلى حد انتهاك الخط الأحمر الذي كان يمثل " المساس بالذات البشرية النبوية":أي إحداث الصدمة الكبرى (مقدمة الفتنة) كما حدث يوم اعتزال الرسول لزوجاته لمدة شهر بعد " المؤامرة" النسوية الكبرى. هذه " المؤامرة" التي كادت أن تعصف بالمجتمع الإسلامي الجنيني كله،لحقتها محنة الإفك،والتي لم تكن لتخرج عن دائرة " الزوجة الممسوسة في شرفها".هذه الحادثة التي كانت بداية لتراكم ضغائن ستستمر إلى ما بعد وفاة النبي بل وإلى ما بعد وفاة الخليفة الثالث عثمان بن عفان عندما وقفت عائشة في صف معاوية طلبا بثأر عثمان.(*)
ـــــــــــــــ
(*) معلوم أن علي بن أبي طالب كان قد واجه تحالفا مضادا يقوده معاوية بن أبي سفيان الذي قاد حملة مطلب بنب أمية بالثأر للخليفة عثمان بن عفان وإبقاء الخلافة في دار بني أمية وليس في بن عمومته الأذاء بني هاشم. ومعلوم أن عائشة قد وقفت إلى جانب حلف معاوية لأسباب تاريخية منها موقف علي منها يوم حاثة الإفك حيث طلب من النبي تطليقها،وقبل ذلك لكونه أقرب الناس للنبي محمد وزوج أحب بناته فاطمة التي لم تكن على وفاق دائم معها، وكونها أيضا إبنة أحب نسائه على الإطلاق": خديجة!
3/ فضاء المعاشرة النبوية
من الأهم فيما يبدو لنا أن نركز على " مسكن" النبي وأزواجه في بيت الهجرة منه إلى بيت مكة الذي تقاسمه مدة 15 سنة مع الزوجة الأولى والوحيدة " خديجة بنت خويلد" ، مع التنويه إلى أن البيت الأول كفضاء رمزي ضل في ذاكرته وفي قلبه لمدة طويلة بل وإلى يوم وفاته في حضن زوجته عائشة ببيته بالمدينة. فالأهمية التي نوليها للفضاء المعماري في هذا الصدد،ليست من منطلق الذات البشرية للنبي وذاكرة الماضي بل لفضاء الزوجية المتعددة.
الفضاء الأول (البيت العتيق)، كان بالتأكيد مختلفا بشكل جلي عن الفضاء الثاني عمرانيا وعلائقيا. فالبيت الأول بمكة كان الرسول يتقاسمه مع زوجته الوحيدة وأبنائه وبناته:القاسم، عبد الله، زينب، رقية أم كلثوم وفاطمة، حيث كان ينعم بحياة عادية لا يكدر صفوها إلا رغبته في الخلوة بغار حراء والتي عملت خديجة على ترتيب أموره وتسهيل هذه النزعة نحو الإنفراد.
البيت الثاني الذي اختط من يوم إناخة " القصواء" ، ناقته البيضاء في المكان الذي سيبني فيه مسجده بالمدينة،سيكون فضاء أكثر ديناميكية في حوادث الزمن الآتي، والتي بشأنها ستنزل آيات السورة 94 وهي مدنية، سورة الحجرات.
البيت الذي آوى عائشةـ وهو البيت الثاني من البيوت التسعة التي اختطت بمحاذاة المسجد النبوي ـ لم يكن أكثر من حجرة واحدة مبنية باللبِن وسعف النخيل بفراش من أدم محشو بالليف وليس بينه وبين الأرض إلا الحصى، وعلى فتحة الباب أسدل ستار من شعر" (1).
تسع حجرات من نفس الحجم والنوع بنيت أبوابها باتجاه المسجد:الحجرة كانت تمثل لكل زوجة من زوجات النبي" الملكية" الخاصة المحمية بهوية "الزوجة ـ الأنثى". فالحمى كفضاء رعوي لم يكن رغم حدوده الفضفاضة بأبعد من " الفضاء المعماري"، الروحي الذي يمثل الذات "والأنا" التملكية لكل زوجة، بل ولعل " احتلال " حجرة من الحجرات لأول مرة، كان يعتبر " غنيمة وظفرا". فلقد احتلت " أم سلمة بنت زاد الركب" البيت الذي كان لزينب بنت خزيمة، التي توفيت بعد أن بقيت زوجا للرسول لمدة ثلاثة أشهر فقط، واعتبر ذلك أمرا عاديا لأنه " ملك
ــــــــــــــــ
(1) ينظر: نفس المرجع.ص: 88


فارغ". غير أن حرمة البيت بقيت جزءا من " حرمة الزوجة" المجزأة في قرارة نفسها إلى أكثر من جزء لدى الزوج. ولذا كان استقبال النبي لزوجته " مارية" في بيت حفصة نقطة التحول في مسار العلاقة الزوجية لدى النبي. فلقد وجدت صفية ستار الشعر مسدولا، مما يعني " عدم الدخول"، وهو رمز كان متعارفا عليه، لتعويض الباب المغلق.(*)
استقبال النبي بزوجته مارية في بيت زوجته حفصة،كونها كانت تسكن مسكنا بعيدا عن الحجرات التسعة،كان وراء " مؤامرة" البيت النبوي. ولعل اعتذار النبي لحفصة أمام دموعها ولومها وقراره من اللحظة تحريم مارية على نفسه، كان إقرارا منه أنه " مس فضاء المرأة المقدس" الذي هو البيت.
النموذج الذي كان يتخذه الرسول في حياته صار تقليدا فيما بعد:الجلوس أرضا على الحصيرة وإسدال الستار عن الاضطجاع أو النوم (أوقات العورات) واستعمال الأسرة الجلدية المحشوة بالليف وشرب الحليب من نفس كأس العروس (ما فعله مع عائشة)وتخصيص حجرة للزوجة الواحدة لا يقربها أحد. كل هذه الممارسات وأشكال التعبير الرمزية، تحولت إلى فترة طويلة إلى "سنة" ونمطا معيشيا لدى معظم المسلمين في مكة والمدينة وهذا إلى بداية العهد الأموي الذي أنقل الرمز المعماري النبوي إلى بيوتات الشيعة والخوارج وأهل الصفوة الذين فضلوا البقاء على رمزية التوجه المعماري وبساطة التأثيت والبناء المقرونة بالزهد والتقشف والطبيعية وعدم الغلو في العمارة (كما حدث مع عبد الرحمن بن رستم حين أسس دولته الرستمية)، على أن هذا الفضاء "المنغلق"، كان مفتوحا لنزاعات نسوية حتى في حضور النبي.فقد كان يحدث أن يشكل هذا الفضاء المعماري المتعدد ملتقى " لمناوشات كلامية جانبية" بين الأزواج إلى درجة أنه كان يتركهن وشأنهن يتراشقن فيما بينهن وأحيانا يعلق مبتسما على مناوشة بين اثنتين أو أكثر كما حدث مع الخصمين اللدودين عائشة وزينب بنت جحش عندما غلبت عائشة بكلامها، مما دفع النبي إلى التعليق:" إنها ابنة أبي بكر!".
ــــــــــــــــــــ
(*) يتعلق الأمر بيوم جاءت فيه مارية تسأل زوجها النبي عن مسألة، فاستقبلها في بيت حفصة ، وكانت ساعتها في دار أبيها،فلما عادت وجدت الستار مسدولا، فبقيت تنتظر حتى عرفت من كان عند الرسول، فدخلت عليه مقهورة باكية، ولم تهدأ حتى وعدها بتحريم مارية على نفسه وطلب منها أن لا تذيع هذه المسألة..لكنه مع تأكدها فيما بعد أن عائشة كانت لا تزال "مفضلته"، قررت أن تفشي السر وتؤلب نسائه عليه. وحدثت "المؤامرة الكبرى".عائشة عبد الرحمن: نساء النبي. ص: 97


حدث أيضا أن كانت عائشة عادة ما " تغلظ" الكلام للرسول، ما يجعله أحيانا " يتذمر" من طفح الكيل الكلامي النسوي، كما حدث عندما تلقى هدية وهو في بيت عائشة، فأرسل لكل أزواجه نصيبهن منها، إلا أن " زينب" ردت عليه نصيبها منها، مما دفع عائشة إلى التعليق مستاءة "بغيرة ودودة غير ودية":"لقد أقمأت وجهك حين ترد عليك الهدية"، وقام منها ـ أو لنقل: منهما ـ مغضبا وهو يقول:: أنتن أهون على الله من أن تقمئني!". نفس الشئ حدث مع " زينب" عندما قالت له في موضع آخر:" أنا أعطي تلك اليهودية؟!"(1)
ما حدث لعائشة أيضا مع " صفية بنت حيي عقيلة بني النظير"، يمثل ذروة " الغيرة" الزوجية، ولكن أيضا حب الاطلاع ولو أدى بالأمر إلى حد اقتفاء الآثار " والتجسس".فلقد حدث أن اختار الرسول "صفية" زوجة له وآثر ألا يدخل بالعروس على نسائه، فأنزلها ببيت صاحبه " حارثة أبن النعمان"، وتسامعت نساء الأنصار بها فجئن ينظران إلى جمالها. ولمح الرسول عائشة وهي تخرج متنقبة بعد أن ظفرت برؤية العروس،فأخذ بثوبها وسألها:" كيف رأيت ياشقيراء؟". تفاجأت عائشة وردت، وقد هاجت غيرتها ـ كما تذكر عائشة بنت الشاطئ ـ ثم هزت كتفها :" وجدت يهودية!".(2)
محاولات الرسول التوسط بين حلف زوجاته الثلاث :عائشة، حفصة، سودة بنت زمعة وحتي باقي الزوجات مع ابنته فاطمة الزهراء، كانت حاضرة دوما لاسيما عندما تعلق الأمر "بالتنابز بالألقاب" وتهمة " اليهودية" حتى بعد الإسلام التي واجهت بها كل من عائشة وحفصة وزينب و صفية عقيلة بني النظير وكذا الافتخار عليها بنسبها العربي القريشي وهي الأجنبية الدخيلة، مما حدى بالنبي إلى أن يتدخل بعد شكواها إليه منهن قائلا:" ألا قلت : وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي .. موسى؟!" (3).
ولعل هذا ما كان وراء نزول الآية:" ياأيها الذي آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن..ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فؤلائك هم الظالمون" (الحجرات /11). فهذا ابن عباس
ــــــــــــــــــــــ
(1) حدث هذا بعدما اعتل بعير " صفية" وكان الرسول في سفر رفقة كل من صفية وزينب، فطلب منها أن تعير صفية بعيرا :" لو أعطيتها بعيرا!!" فأجابت:" أنا أعطي تلك اليهودية؟!".فولى عنها الرسول مغضبا وهجرها نحو ثلاثة أشهر.نفسه. ص:192
(2) نفسه. ص:189
(3) نفسه.ص: 191

يقول أن الشطر الثاني من الآية :" ولا نساء من نساء.." أنها نزلت:" في امرأتين من نساء النبي صلى الله عليه وسلم سخرتا " بأم سلمة" زوج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم الله عن ذلك (1)
هكذا تبدو المعاشرة النبوية لزوجاته: المعاشرة بالمعروف، مع الجفاء والنهر التأديبي إذا لزم الأمر، لكن دائما ضمن معادلة : العدل والإحسان، عملا بمبدأ الحديث عن "مخافة تكسير المرأة إذا أرت تصليح اعوجاجها الفطري". سلوكات النبي مع أزواجه، كان عملا تأسيسيا مبنيا على " واقعية الحال"،وليس على "مثالية الأحوال". فالتأسيس لثنائية العقل والقلب والجمع ما بين المتناقضات لا سيما في المسائل الأكثر حساسية والأكثر عرضة للصدام: الحياة الزوجية وأنوثة مجزأة ما بين " الواقعية الذاتية" " والموضوعية المثالية" التي كانت الرسالة النبوية تهدف إلى إرساء دعائمها دون إحداث ذلك الشرخ والكسر في نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، الذي كان من شأنه أن يخرب المجتمع من الداخل ـ كما كان الأمر مثلا مع "تحرير الرق" الذي عمل الوحي على نبذه من خلال التشريع المرحلي دون تحريمه أو نسخه اجتماعيا بطريقة آلية ـ، ذلك أن السنة النبوية في مجال " المعاملات" الداخلية بين الأزواج، إنما كنت تفترض إرساء مبدأين أساسين ظلا مغيبين والى الفترة ما قبل الإسلام:العدل في اليتامى..والعدل بين الزوجات! وكلا المسألتين مرتبطتين بطبيعة "العدل والإحسان" والمعاملة الحسنة :" الدين..المعاملة" (الحديث)،التي أريد لها أن تشكل رحم المجتمع المتعدد الزوجات،وليس رحم المجتمع المتعدد الأسيرات..كما كان واضحا في " إعلان" خطبة الوداع.







ـــــــــــــــــــ
(1) محمد بن يعقوب الفيروزبادي:تنوير المقياس في تفسير غبن عباس.المكتبة التجاريةالكبرى. مصر. 1960.ص:323


المراجع والمصادر:


1/ القرآن.(بقراءة حفص ).
2/ الإنجيل (رواية مرقص).
3/الطبري: تاريخ الأمم والملوك. طبعة الحسينية . القاهرة.(ب.ت).
4/إبن هشام: السيرة النبوية.دار الحلبي.1936.
5/ عائشة عبد الرحمن: نساء النبي.دار الكتاب العربي.بيروت.1979
6/ أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي:تنوير المقياس من تفسير ابن عباس.المطبعة التجارية الكبرى. القاهرة.1960 .
7/محمود سليم الحوت: في طريق الميثولوجيا عند العرب.مطبعة دار الكتب.ط1. بيروت .1955.