
متكآت القراءة الاستشراقية للموروث الثقافي الجاهلي
يشكل موضوع تناول التاريخ الحضاري لشبه الجزيرة العربية خلال الفترة الجاهلية وما بعده أحد أهم المحاور القراءات الاستشراقية على الأقل فيما يتعلق بالقواعد الاتكائية والدعائمية للقراءات الأخرى: اللغوية، الدينية والفكرية خلال الفترة وبعدها.
في هذا السياق، تبدو الأسس الفكرية والمرجعيات العقائدية الدينية والسياسية للقراءات الاستشراقية للموروث الحضاري العربي قبل الإسلام، رهينة توليف مفهوماتي، ذلك أن مسلّمة "الأمية" و"الجاهلية" وعدم قابلية الفكر العقلاني وابتعاد العرب عن "الإنتاج المادي"، أريد لها أن تصبح فرضية ثابتة ومتأصلة حتى في ما أسميه بـ"مؤسسة إعادة إنتاج المنتوج الأوروـ مركزي"، التي طال أكثرها الفكر العربي الإسلامي ذاتيته. والمثل على ذلك، الإسهامات العربية الاستشراقية في تأكيد هذه الفرضيات _في الشعر الجاهلي لطه حسين مثلا، أود.محمد حسنين هيكل وغيرهما_.
سوف نحاول أن نقف على موقف "الشعوبية" التي كرست القواعد الاتكائية للقراءة الاستشراقية للتراث العربي قبل وبعد الإسلام، لكن سوف نقف أكثر عند النزعة المركزية الأوروبية وعند الفكر الديني الكاثوليكي بصفة خاصة، وعند الاعتقاد الأسطوري واليهودي ذي الميل العنصري. كما سنحاول العمل على إبراز أثر "العلمنة" كوجه رأسمالي – يهودي أفرزه القرن 18 و19 مع المبتدعات الميركانتيلية والتوسع الاستعماري (فرنسيس باكون في السياسة، سان سيمون وفورييه كإشتراكيين رأسماليين، وقبلهما فكر البورجوازيات الصاعدة في أوروبا: آدم سميت في الاقتصاد وديكارت في الفلسفة وفولتير في الأدب...الخ).
هذه النزعة التي ارتبطت بمفهوم " العصرنة" ثم "الحداثة"، سيكون مثقفو العالم العربي والإسلامي أهم موصل لشروط القراءات الاستشراقية للتراث العربي والإسلامي ... ومنه محاولة إكساب "شرعية" هذه القراءات عن طريق "تعريب الاستشراق"، و"تشريق الاستغراب".
أ.في المفهـوم : الجاهلية والأميــة 1.الموقـف الشعـوبي:
لا يمكن بالتأكيد قراءة الموقف الشعوبي من "العروبي" من متكئ عرقي لغوي صرف، ذلك أن البعد المصلحي الذي نما مع تطور البرجوازيات المالية المبكرة بشبه الجزيرة العربية، على الأقل خلال القرنين السابقين للدعوة الإسلامية، حيث نمت وتطورت بعض المراكز الحضرية، كما لدى الحميريين والسبئيين والغساسنة والمناذرة في كل من الحجاز ونجد واليمن والشام والعراق، كما يشير إلى ذلك "جواد علي" في " تاريخ العرب قبل الإسلام" ،
فظهور المدن التجارية التي قد تدخل ضمن مفهوم "الدولة المدينة" قبل أن تحول إلى "الدولة الأمة" خلال العهد الإسلامي معها – وظهور معها الحركة التجارية والأسواق الموسمية ( 4 أشهر من السنة): عكاظ وذي المجاز، قد طور آليات المنافسة الاقتصادية بين هذه التجمعات جنوبا وشمالا، شرقا وغربا: اليمن، سورية والفرس والأحباش وحتى مع روما الغرب كما يرى المؤرخ " أوليري" في كتابه "العرب قبل محمد" عندما يشير إلى أنه كان يوجد بمكة نفسها بيوت تجارية رومانية استخدمها الرومان للشؤون التجارية والتجسس على أحوال العرب.[3]
وعليه، فإن ظهور معالم البرجوازية النقدية بالمنطقة ـ ولو بشكل بدائي مبكرـ قد فتح أبواب المنافسة على الصراع الفكري والإيديولوجي خاصة على مستوى محوري حضرموت – الخليج العربي، شرقا، وحضرموت ـ مصر، وعن طريق مكة غربا: خطان تجاريان يربط الأول اليمن بفارس الساسانيين، والثاني الجنوب الغربي بشماله. ولا شك أن تقوية مكة لدورها التجاري من خلال رحلة الشتاء والصيف، كان عاملا حاسما أيضا في ترجيح كفة المنافسة إلى الخط التجاري الغربي على حساب الخط التجاري الشرقي.. ومنه كانت بوادر المد الحضاري الشعوبي.
فأصل الصراع فيما نرى، لم يكن إثنيا بشكل مباشر، رغم مظهره الخارجي العام. ذلك أن الأرستوقراطيات "الفارسية الساسانية" المنتجة لهذه الإيديولوجيا رغم التظاهر بأن "الغوغاء" هم مصدر هذه المواقف الفكرية، كانت شديدة الترابط مع الأرستوقراطيات العربية المكية اليمنية والشامية وما كان ينتج فكريا على مستوى الطبقات العليا، كانت تتبناها عمليا الطبقات الوسطى: المثقفون من شعراء ونسابة ورواة الذين يتكفلون بتلقين " الغوغاء" هذه القراءات المستلهمة من الأرستوقراطيات النقدية.
بدأت الإيديولوجية الشعوبية تصوغ ذاتيتها على أسس حضرية – ريفية التي تنعت العربي بالبداوة والجهل والأمية، بل وبأكل لحم البشر[4] ..والتي غدت حقائق تبناها حتى المؤرخون و"المفكرون" العرب.
1.1البـداوة المذمومة:
لم يكن الفكر العربي – البدوي بطبعه منسجما دائما وإن كان الطابع البدوي الرعوي هو الطاغي لارتباط العربي بالنمط الاقتصادي الرعوي والزراعي المحدود. فالنمط الزراعي لم يكن متطورا إلا في حدود ما سميته بالاقتصاد الفلاحي المنزلي ذي المنتوج الاكتفائي، فيما كان الرعي نمطا شبه سائد في الأرياف وضواحي المدن التجارية ( الطائف ونجد وجنوب العراق) ولأن المنطقة العربية هي منطقة ذات مناخ صحراوي قاري تفرضه المنطقتان الصحراويتان : النفوذ في الشمال والأحقاف في الجنوب.
ولأن المناطق الخصبة كانت قد جلبت ببعض القبائل العربية إلى الشمال على الحدود العراقية السورية ( ومنها قبائل بني هلال ، الأثبج، المعاقيل ، بني سليم، رباح...) فقد أنتجت هذه الظروف الحياتية القاسية شخصية البدوي المترحل التي ستوسم ب "الأعراب". بكل ما يتصفون به من أوصاف وسلوكات ومواقف فرضها نظام العيش. غير أن الأعراب لم يكونوا يشكلون كل البداوة وكل البدو...
ذلك أن الاستقرار قد ساهم في إنشاء حواضر سكنية، سرعان ما تحولت إلى مدن ذات منحى اقتصادي- رعوي زراعي-يثرب مثلا...
( خلافا لملكة التي كانت مدينة تجارية وربوية بامتياز ( يذكر هنا الأب لا مانس أن المرابين في مكة كانوا يطلبون فائدة تقدر بنسبة 40 إلى 100 % : طيب تيزيني: مشروع رؤية جديدة.. سبق ذكره ص: 140)
ومن هنا، فالأعراب لم يكونوا يشكلون النسيج الاجتماعي القبلي الأكثر انتشارا ، وبالتالي فإن صياغة ذهنية الأعراب وإلصاقها تعميمها على العرب كان بفعل العمل الإيديولوجي الشعوبي أساسا لا سيما إذا علمنا ان البدوي قد عرف عنه من محاسن الأوصاف والشمائل ما يفوق الرجل المديني.
2.1 الجهـل بالجاهليــة:
كما أن لفظ الجاهلية الذي لا يتحمل أكثر من مدلوله القرآني قد أعطته النزعة الشعوبية دلالة معرفية لا دلالة سلوكية وقد تلبس بهذه القراءة مثقفون مسلمون بدورهم كابن قتيبة مثلا[5] فيما يؤكد البعض منهم د.ناصر الدين الأسد وكتابه مصادر الشعر الجاهلي سوء هذا التقدير ويذكر أن العرب كانوا على إطلاع على الكتاب بالخط العربي وإن انتشار الكتابة باللغة العربية والقلم العربي كان قد غطى على الأقل القرون الثلاثة قبل البعثة المحمدية[6]هذا إذا أضفنا تأكيدات النص القرآني ذاته:" وقالوا أساطير الأولين أكتتبها فهي على عليه بكرة وأصيلا....( الفرقان/5) ...وقوله تعالى :" ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه" (الإسراء/93 ).
أكيد أن الفكر والموقف " العروبي" كان رد فعل على " الموقف الشعوبي "، وعليه فمن الصعب أن نحدد بالضبط حقيقة الحقبة التاريخية السابقة للبعثة المحمدية . غير أن المحاولات الاركيولوجية والدراسات الانتربولوجية في مجال اللغة، خاصة الشعر، على تعدد المناهج والمقاربات والقراءات التي لم تنتج من القراءات الاستشراقية ذات التأثير الشعوبي أو حتى " العروبي" قد تعطي بعض المعالم والنقاط الإشارية لهذه الحقبة التاريخية .
فعلى المستوى المنهجي لا ينبغي أن نحدد هذه المعالم انطلاقا وفقط من الشعر أو الأيام أو حتى المعتقدات، كما وردتها الكتب على مختلف ألوانها.فالمعرفة ليست محصورة في الشكل الكاليغرافي ( الكتابة) أو نمط الحياة ( البداوة ) أو النمط الفكري الدين( المعتقد) ، بل يتعداها إلى الأشكال السوسيولوجية النفسية وأنماط السلوكات وأشكال التعبير عنها، وهذا ما قد نسميه بالتراكم الثقافي المعرفي الذي يشير إليه تايلور أو حتى مالينوفسكي في معرض الحديث عن الثقافة والبنى والوظائف.
فالجزيرة العربية وسكانها وأهلها لم يخرجوا من العدم، فالإرث التاريخي الحضاري المستمد من الحضارات البائدة لا يستبعد أن يكون تأثيرها قد وصل الى الحضارات المجاورة (الإغريق، الرومان، الفراعنة، الفرس وبيزنطة) إلى يعتقد ان لهذه الحضارات تأثير ارتدادي على شعب شبه الجزيرة فيما بعد. كما ستحاول المدرسة الأوروـ مركزية. تأكيده فالثراء اللغوي الذي يشكل جوهر الحضارة العربية الجاهلية وسمتها البارزة، لا ينبغي أن يمر على أساس أنه ثراء بنية فوقية، معزولة عن ظروف إنتاج هذا الثراء البنيوي العروبي، إذ يعد الأخذ بهذا الموقف من قبيل اجتثاث الرأس عن البدن.
فهذا الركام والثراء اللغوي الذي سيشكل مادة الشعر العربي، لا يمكن ألا أن يكون حاملا لركام حضاري معرفي وتاريخي دفين لم يبلغ المؤرخون والدارسون للفترة تحديد أبعاده الأكثر من 50 سنة.
هكذا فإن التأثير والتأثر الذي يعطي معادلة "التثاقف"، هو مصدر الثراء اللغوي العربي الجاهلي الذي ينبغي أن نطور البحث على جذوره الاجتماعية والتاريخية بالعودة إلى العلوم الطبيعية والأثرية والكشوفات الجيولوجية للمنطقة- كما حاول بعض الباحثين السوفيات خلال السبعينات بحثا عن حضارات عاد وثمود وسبأ
2المتكأ الديني العقائدي
1.1تأثير الفكر اليهودي:
الجاهلية كلفظ قرن أيضا لدى المستشرقين ولدى المستعمرين على السواء بمن فيهم المتأثرين من العرب بهذين الاتجاهين على أساس أنه جهل علمي وأردف بمفهوم " الأمية" مع كل الفوارق الدلالية( السيميائية) بين المفهومين فالظاهر أن الجاهلية صفة سلوكية.[7] وأن " الأمية" هي صفة دينية وليست معرفية و لا حتى كاليغرافية رسمية ، ولا نستبعد هنا تأثير الفكر اليهودي حتى لا نقول الديانة اليهودية في شحن هذه العبارة التي هي لفظة عبرانية محورة من " الغوييم" أي كل من لا يعرف قراءة الكتاب والكتاب هنا هو التوراة ليتحول مدلول "الغوييم" إلى أمية معرفية كما تؤكد عليه أكثر من آية القرآنية.[8]
وهنا لا نستبعد أثر الفكر اليهودي في تحريك هذا المفهوم باتجاه مفهوم الجهل العام أو الأمية المطبقة التي سادت شبه الجزيرة قبل الإسلام وقد توسع هذا الانطباع بدعامات شعوبية، ستحول فيما بعد إلى أرضية لمنطلقات ذات نكهة إيديولوجية أساسا سياسة عملا لدى المستشرقين المستعربين الذين سيقيمون الفواصل بين الشرق والغرب على أساسا حضاري معرفي مقترض ومقسم على أسس نظرية تخمينية: شرق منتج للروحانيات وغرب منتج للماديات.
2.1 الذاتية المسيحية:
غير أن هذه النظرية الاستشراقية تجد من يفرضها ممن يقبلونها كطرح عام عندما يقبلون بفكرة أن العربي قليل الدين، كما يرى ذلك "فيليب حتي" عندما يقول في كتابه " تاريخ العرب" لقد كان البدوي لا يكترث كثيرا للدوافع الدينية، بل كان يقف منها موقف الحياد.[9]
أو ومن يؤكدها من زاوية دينية محضة كما فعل الأب شيخو اللبناني مع عنترة الذي كان شاعرا كبيرا لأنه كان يدين بالمسيحية. هذا الرأي يشكل دعامة للرأي القائم على عقلانية المجتمع البدوي العربي الذي أريد له أن يكون قدريا ساذجا قياسا بالوثنية الإغريقية المتطورة هذه المقارنة تحيل إلى إدراك إنساني لتاريخ وسيرورة المعرفة وتاريخ التجريد العقلاني الذي يجعل من الوثنية الشخصية أبسط أشكال المعرفة كونها دليل على الإخفاق في التجريد.
فالوثنية العربية لم تكن تلك الوثنية المعروفة لدى الإغريق التي كانت تؤنسن الآلهة وتؤله الإنسان فيما كان الوثنية العربية تتخذ من الوثنية واسطة للتقرب من الواحد، تماثيل مجسمة للنجوم أو الشمس (الضياء) البعيدة والسماء التي تمثل لديهم الواحد الأعلى كما ورد في النص القرآني " إنما نعبدها لتقربنا من الله زلفى".
حتى عبادة الشمس أو الضياء أخذها الإغريق عن الفينيقيين ( ومنها جاء "لغة الضاد") بترانيم اقل لهاتية "زوس"( Zeus ) لدى الإغريق Dei لدى اللاتينيين ثم Dios و Dieu و God لدى اللغات المشتقة من اللاتينية، هو اعتقاد غير إغريقي بل نبطي فينيقي.
المركزية الأوربية الاستشراقية:
تشكل نظرية التأثير بدون تأثير ومنهج البتر التاريخي لسيرورة التراكم الحضاري القاعدة التي تبنى عليه هذه النزعة في قراءة للذات العربية بعناصرها الفاعلة ، والتي ستكون متكأ للحراك الحضاري والذي ستكون البعثة المحمدية منطلقه.
فالبعثة هي حركة تاريخية خارجة عن التاريخ في تصورهم، ويتفق مع هذا الطرح المستشرقون والمستعربون بمختلف الانتماءات الإيديولوجية : الإشتراكيون منهم والرأسماليون.. أوربا الشرق وأوربا الغرب وبمختلف الانتماءات الدينية مسيحية الهوية وبمختلف المرجعيات الإيديولوجية والمعرفية الأخرى حتى تلك التي تتبنى نفسها موضوعية وعلمية.[10]
أكيد أن الأورومركزية هي نزعة ذاتية ومن غير المستبعد أن تكون شكلا من رد الفعل على نزعات مركزية أخرى كالنزعة الفارسية والنزعة العروبية على أيام خلافة الأموية أساسا...وأن "الإيغو ـ سانتريزم"، حالة سيكو ـ اجتماعية الشعور بالقوة أو بالضعف أحيانا...وعليه فإن مواقفها غير موضوعية.
الأورومركزية هي نزعة غير منسجمة لأنها تحوي ميولات ذات انتماءات إيديولوجية إثنية قومية سياسية ودينية و لكنها تشكل جغرافيا وحضاريا موقفا شبه موحد لا يخلو بالتأكيد من المواقف اللبرالية الرافضة للضم والمركزية وتستعمل ضمن هذه النزعة مجموعة من المواقف ذات الدعامة الواحدة.
1.العلمنة التحييديـة:
الفكر العلماني الذي بدأ في التشكل مع م القرنين 17 و18 ليصل في القرن 19 ليصبح إيديولوجيا البرجوازية الصاعدة ، بل البرجوازية الاستعمارية التوسعية ، سوف يشكل إحدى أهم الدعامات الإيديولوجية ذات الطابع العلمي للنبش في التاريخ العربي والإسلامي قبل البعثة وبعدها....
وسوف تختلط النزعات الدينية ( اليهودية، المسيحية والكاثوليكية) بهذا الموقف مستفيدة من الشعار الثالوثي للثورة الفرنسية: الحرية ، المساواة، والأخوة ( الذي كان اليهود، دعامة الثورة البرجوازية على الإقطاع والنظام الكنسي البابوي الأرستقراطي) ليختلط اللآئكية بتوابل النزعات الأخرى ذات النكهة الإيديولوجية الدينية.
وعليه فسوف تستعمل الآلة الرأسمالية في بحثها عن الأسواق الخارجية لضمان انتشار منتوجاتها وتمويل ورشاتها بالموارد الأولية المادية والبشرية...سوف تستعمل كل أشكال البحث عن منافذ للتوسع والتهيئة العلمية لهذه المنافذ ...ولهذا الحلم التوسعي الاستيطاني : هو عنصر الاستعمار الكلاسيكي بكل ترسانته العسكرية والعلمية ولم يكن الاستشراق والاستغراب في كثير من الأحيان إلا جزاء من هذا المشروع حتى أولئك الذين يتحدث عنهم د.طيب تيزيني على أساس أنهم ليبيراليين ، مستقلين أو اشتراكيين علميين قد استفادت من أعمالهم هذه المؤسسة الإنتاجية السياسية الضخمة المسماة بالاستعمار.
فهذا جنرال بريمون من أكاديمية العلوم الكولونالية بفرنسا يصرح انه والى وقت قصير يعتقد ان العرب هم من علموا الغرب المتوحش ، يتضح الآن أن هؤلاء العرب لم يكونوا سوى ناقلين للغرب الثقافة اليونانية.[11] بل إنتاجا ثقافيا محيطيا لمركز يراد له أن يكون غير عربي، ولو كان كذلك، المتمثل في حضارة ما بين النهرين التي تحيل إلى الفهم بأن اليهود كانوا هم الناشرين لهذه الحضارة باعتبارهم تجارا للخمور بشكل خاص ولهذا سيحرم الإسلام الخمر حسب رأي بريمون نشكل من أشكال التحطيم الاقتصادي للنفوذ اليهودي التجاري.[12]
القراءة المتوسطية لشبه الجزيرة قبل الإسلام، تم تشكيلها وتثقيفها من مرحلة إلى أخرى ومن مؤرخ إلى آخر بحيث تم صقل هذه الأفكار لتصبح منسجمة مشكلة لتوجه عام يعبر عن مرجعية واحدة. هكذا نجد بعض المؤلفين الرومان( Cadulle et Tibulle ) منهم ينعتون العربي بالطيب واللين، في تعاملهم التجاري مع الرومان، لينكر عليهم هذا الوصف مؤكدا " أننا كنا نملك رأيا خاطئا غير دقيق على شبه الجزيرة العربية، ...معللا قوله بقول "Pline" بشأن ملايين القطع النقدية التي كانت روما تقدمها للتجارة العربية...لعاصمة ( مكة) بلا صناعة ولا إنتاج عاصمة تمتص كل شيء ولا تقدم أي شيء « مدينة غير منتجة التي كانت تشكل أخطبوطا حقيقيا» [13]
وعليه، فسوف تعمل النزعة الأورومركزية بايديولوجيتها العلمانية تارة والدينية تارة أخرى على تحويل مجرى حركة المجتمع العربي بعد الإسلام إلى مجرد حركة آلية ميكانيكية يغيب فيها " الثقافي" والعقائدي ليتحول إلى المركز الثاني بعد الاقتصاد والمصلحة التي بنيت عليها حركية المجتمع الرأسمالي : إسقاط ثقافي فكري لم يأخذ بالبعد الأول إلا كبعد إيديولوجي متجل لحالة تراكمات اقتصادية. ستجد في هذا الطرح الدعامة الأساسية لها النزعة المادية والحركية، والفكر الماركسي والتي ستجد في بعض الباحثين والمثقفين العرب ركيزة مهمة في تدعيم هذه النزعة نفسها، نفس النزعة العلمانية اللبرالية التي ستكون "دعاة العصرنة" في الفكر العربي والإسلامي أحد أسسها ولبناتها الداخلية خاصة لما يتعلق الأمر بالبحث عن تأكيد هذا التوجه في ثنايا النصوص التراثية والفكرية والدينية والتاريخية والأدبية.
2.العلمنة الحداثيـة:
لم يكن طه حسين في كتابه " في الأدب الجاهلي " أكثر إثارة مما ذهب إليه المستعرب الإنجليزي مارجليوث( 1889-1940) هو صحة الشعر العربي قبل الإسلام ، وهو المنطلق من بداوة العربي الأمي الجاهلي الذي لم يكن مؤهلا تاريخيا ولا حضاريا لأن ينسج هذا الشعر...بل بهذه الحمولة المعرفية والدينية إذ لا يمكن لعقله المؤسس على المنطق أن يصدق أن شاعرا جاهليا قد يقول:
كل شيء مصيره للزوال غير ربي وصالح الأعمال
أو أن شاعرا عربيا آخر يقول :
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتــم الله يعلم [14]
وإذا كان الأمر قد أوصل بطه حسين إلى حد التشكيك ونفي حادثة " السيل العرم بغرض انسجام أطروحة " البداوة والجاهلية المتأصلة" في عروبة العربي ومحوا لكل التباس قد يحيل إلى تبني الطرح التراكمي المعرفي والحضاري لتاريخ شبه الجزيرة العربية على العهود الأولى بما ذلك حضارة سبأ، فإن المواجهة التي ووجه بها كانت ذات بعد ديني أكثر مما ينبغي أن تكون ذات بعد حضاري أكبر حين تقطع " المعاصرة" كل أوصالها مع التاريخ ليصبح الشعر الجاهلي وهو أسمى أشكال الدلالات التي توصلنا إليها، مرفوضا وموضوعا" [15]
هذا المنهج قد وجد في التنقيب عن مظاهر الجهل الجاهلي والأمية العربية " فيضا معرفيا" لرفض أية حضارة ولو لغوية أو فنية و أدبية : استبدلت الثقافة الكاليغرافية كشكل رمزي للثقافة العالمة بالثقافة الشفهية كثقافة أمية، دون محاولة تدقيق في هذه الإلغائية ودون اعتبارات لمحاولة فهم الثقافات الشفهية على أنها أرقى الثقافات التجريدية ، مجتمع طور حاسية الأذن واللسان أكثر مما طورته أية حضارة دون أن يهمل المعرفة الخطية ذلك الإهمال " المطلق" أو حتى النسبي الذي يتحدث عنه المثقفون العرب " المعاصرون" ناهيك عن المستشرقين.
هكذا تشكل القراءة الاستشراقية للموروث الثقافي الحضاري العربي والإسلامي ، منهجا متكاملا مختلف غير منسجم باطنيا، منهج تحول مع القطبيات الثقافية إلى معتقد واحد بطقوس مختلفة اعتنقها تحت تأثير العصرنة والعلمنة تارة وتحت تأثير الإيديولوجية العلمية تارة أخرى مثقفون عرب لتكسيب هذه الثغرة شرعيتها التاريخية و العلمية مقصية بذلك أي منهج وسبيل للبحث العلمي إلا هذا المنهج العلمي الموضوعي الذي لا يضع في الحسبان الذاتية ( العربية والإسلامية) ...ولو كان هو ذاته منهج منحوت من الذاتية الأخرى....
[1] ينظر د.جواد علي ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء1 ، بغداد ، 1950.
2 د.طيب تيزيني، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي العصر الوسيط ، دار دمشق، 1971، ص 139.
3 أحمد أمين، فجر الإسلام ، القاهرة، الطبعة 3، 1964، ص 13.
4 يتحدث الدكتور عبد المنعم ماجد أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية عين شمس وكتابه " تاريخ السياسي للدولة العربية عن أكل لحم البشر من طرف العرب." وكان بعض الأعراب يذبحون الكلاب كقبيلة أسد ويأكلون لحوم الناس كقبيلة هذيل.
لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب ، دار الجيل بيروت، 1981، ص 78.معتمدا على الجاحظ في البخلاء هذا الأخير الذي يوضح ( وهو غير العربي والمهم الشعوبية ) أن الكلام عن الأطعمة المذمومة كانت تتهاجى به القبائل كالتهاجي بأكل الكلاب وأكل الجراد وأكل الضيف وأكل المرأة كما هجيت بذلك أشعار العبث أو الوضع قبائل أسد وهذيل وباهلة: يقول الجاحظ" وهي أحدهم ثوب بن شحمة يأكل لحم إمراته وكان هذا أكرم نفسا عندهم من أن يطعم طعاما ميتا ولو مات عندهم جوعا..".
5 يقول ابن قتيبة أن " عبد الله بن عمرو كان قارئا للكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي" أنظر أحمد موسى سالم ، لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب ، ص 27.
6 يمكن أخذ التأثير اللغوي من تاريخ الكتابة العربية ونمطيتها هل هي مقطعية أم أبجدية...متأثرة بالإغريقية أم أن الإغريقية متأثرة بالفينيقية أصلا....يمكن العودة إلى د جعفر دك الباب النظرية اللغوية العربية الحديثة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1996.
7 يعبر عنها أحمد موسى سالم بأنها " سرعة الاحتكام إلى السيف، ص 26.
8 يذهب د.الأسد في قراءته لمفهوم الأمية مستشهدا بآيات قرآنية نؤكد انتشار الكتابة والقراءة قبل الإسلام وشبه الجزيرة العربية كقوله تعالى :" وقالوا أساطير الأولين أكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا..." الفرقان(5)وقوله:" ولن نؤمن لرقيك تنزل علينا كتابا نقرؤه " الإسراء /93 نفس المرجع ص 27.
9 ينظر نفس المرجع، ص 45.
10 يمكن الإشارة هنا إلى حملة من المستشرقين قدموا أعمالا جد مهمة على الأقل فيما يتعلق بالبحث والتوثيق وإن كانت المصادر وإنما تطرح الإشكال العلمي، هل هي موثوقة أو غير موثوقة منهم المستشرق الهولندي ميكال يان دي خويه الذي يقول عن ميمون القداح أنه كان يخفي حقدا قديما على العرب والإسلام مؤكدا على عنصر الشعوبية في هذا السياق...
تنظر ميكال بان دي خويه" القرامطة نشأتهم ، دولتهم وعلاقاتهم بالفاطميين .ترجمة حسين زينة ، دار ابن خلدون (الطبعة والسنة غير واردتين) ص 7.
[1] Général Bremond : Berbère et arabes : La Berbérie est un pays européen : Ed PAYOT-Paris 1950, p 26.
11 ينظر نفس المرجع ، ص 28.
12 المرجع نفسه ، ص 27.
13 يمكن العودة إلى كتاب مارجليوث " محمد وظهور الإسلام " في : لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب، مرجع سبق ذكره ، ص 42-43.
14 يمكن العودة إلى كتاب مارجليوث " سبق ذكره ، ص 42-43.
15 نذكر هنا فقط أن طه حسين عندما امتثل أمام النائب العام ليسأله عن هذه الأطروحات رد د.طه حسين قائلا:" هو فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في كتاب آخر وقد أخبرت بعد ظهور الكتاب أن شيئا من مثل هذا الفرض يوجد في بعض كتب المبشرين " نفس المرجع السابق، ص 50.








